آباء الكنيسة
قديسون
 أغسطينوس
من كتابات أغسطينوس

 

مـن الرســـــــالة إلى بروبــا
"لا نعرف كيف نصلّي كما يجب"

   قد تريدُ أن تسألَ لماذا قالَ الرسول: "إنَّنا لا نُحسِنُ الصَّلاةَ كَمَا يَجبُ" (روما 8/ 26). لا يمكننا أن نصدِّقَ أنه كان يجهلُ الصلاةَ الربية، هو نفسُه أو من كانَ يوجِّهُ إليهِم كلامَه.

   الرسولُ نفسُه لم يستبعِدْ عن نفسِه هذا الجهلَ، لأنه هو أيضاً لم يعرفْ كيفَ يُصلِّي كما يجبُ، لمّا ابتلاه اللهُ "بشوكةٍ في الجسدِ رسولٍ للشيطانِ وكلَ إليه أن يَلطِمَه لئلا يتكبَّرَ" (2 قورنتس 12/ 7) بسببِ عظمة الوحيِ الذي كشفَه الله له. "فسألَ الله ثلاثَ مراتٍ أن يُبعِدَ عنه ذلك" (2 قورنتس 12/ 8). فلم يَعرفْ كيف يصلِّي كما يجب. حتى أجابَه اللهُ أخيراً وبيَّنَ لهذا الرجلِ العظيمِ لماذا لا يتِمُّ له ما كانَ يسألهُ بحرارة، ولماذا لم يكُنْ من المفيدِ أن يكونَ له ذلك، فسمِعَ الله يقولُ له: "حَسبُكَ نعمتي. فإنَّ القُدرةَ تَبلُغُ الكَمالَ في الضُّعفِ" (روما 12/ 9).

   ففي هذه الشدائدِ التي يمكن أن تُفيدَ وأن تَضُرَّ لا نعرفُ أن نُصلي كما يجب. ولكننا أمامَ الصعوباتِ والمشقَّاتِ والضعفِ الذي فينا، فإننا جميعاً بحكمِ طبيعتِنا البشريةِ نُصلي ونسألُ أن تبعُدَ عنا تلكَ الشدائد. ومع ذلك، إن لم يُبعِدهْا اللهُ عنّا، تَفرِضُ علينا مشاعرُ التقوى ألا نظُنَّ أنَّ الله يُهمِلُنا لذلك، بل بصبرنا على الشدائدِ نرجو الحصولَ على خيراتٍ أوفر. هكذا "فإنَّ القُدرةَ تَبلغُ الكمالَ في الضعفِ" . كُتِبتْ هذه الأمورُ حتى لا يَظُنَّ أحدٌ نفسَه شيئاً كثيراً إذا ما استُجيبَتْ صلاتُه. وقد يَطلُبُ شيئاً بإلحاحٍ وكانَ من الأفضلِ ألا يطلُبه. وقد يصابُ بالإحباطِ أو اليأسِ من رحمةِ الله إن لم تُستَجَبْ صلاتُه، مع أنه يكونُ قد طلبَ شيئاً لو نالَه لنجمَ له عنه مضرَّةٌ أكبرُ، أو لكانَ النجاحُ أفسدَه فساداً كاملاً وحوَّلَه عمّا هو عليه. في هذه الحالاتِ نحن لا نعرفُ أن نصلِّي كما يجب .

   فإذا حصلَ شيءٌ عكسَ ما نطلبُ في صلاتِنا، يجبُ أن نصبرَ عليه ونحمدَ الله في كلِّ حال، ويجبُ ألا نشُكَّ لحظةً واحدةً أن الأمرَ المناسبَ هو أن تتِمَّ مشيئةُ اللهِ لا مشيئتنا. قَدَّمَ لنا مثالاً على ذلك وسيطُنا لدى اللهِ لما قالَ: "يا أبتِ، إن أمكنَ الأمرُ، فلتبتعِدْ عَنّي هذهِ الكأسُ". ثم بدَّلَ ما في إرادتهِ البشريةِ التي اتخذَها حينَ صارَ إنساناً، فقالَ: "ولكنْ لا كمَا أنَا أشاءُ، بَل كَمَا أنتَ تَشاءُ" (متى 26/ 39) . ولهذا بحقٍّ نقولُ: " إنّه بطاعةِ واحدٍ نالَ الخلاصَ كثيرون " (ر. روما 5/ 19).

 


الصفحة الرئيسية

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
عودة إلى الأعلى


الصفحة الرئيسية