|
إعلان الإنجيل
Evangelii nuntiandi
بحرارة القديسين:
80- إن نداءنا
يستلم حرارة عظماء الكارزين والقائمين على البشارة الإنجيلية، ممن
بذلوا حياتهم في سبيل الرسالة: ومن بينهم يحلو لنا أن نشير إلى أولئك
الذين اقترحنا خلال السنة المقدسة تكريمهم في تقوى المؤمنين، فقد عرفوا
كيف يتخطون عقبات عديدة في سبيل البشارة.
وفي عصرنا الحالي تقوم العديد من العقباتن التي نكتفي بأن نذكر منها
النقص في الحرارة. ودرجة الخطر فيه تتضاعف على قدر ما يتولد عن باعث
داخلي، فيظهر في الملل وفقدان حماس، وفي رتابة عجلة (روتين) الحياة
وعدم الاكتراث، وبخاصة في نقص الشعور بالفرح والرجاء. فلذلك نحث جميع
من يقع عليهم عبء البشارة، بأية صفة وعلى أي مستوى كان، على أن يغذوا
في أنفسهم اتقاد الروح
(130).
إن هذه الحرارة لتتطلب أولاً أن نعرف كيف نتجنب الأعذار المنتحلة بقصد
التحول عن البشارة الإنجيلية. وأكثرها فساداً تلك التي يزعمون بأن لها
مسنداً في هذا التعليم أو ذاك من المجمع المسكوني.
فكثيراً ما نسمع القول في صيغ مختلفة، أن فرض أية حقيقة ولو كانت حقيقة
الإنجيل، أو فرض أي طريق ولو كان طريق الخلاص، لا يشكل إلا إكراهاً
مقيداً للحرية الدينية. ويضيفون أنه ما الداعي لإعلان الإنجيل طالما أن
كل الناس يخلصون عند توفر سلامة القلب وصفائه؟ ونعلم جيداً من جهة أخرى
أن العالم والتاريخ مشحونان "ببذور الكلمة": أليس إذا ضربا من التوهم
أن ندعي نقل الإنجيل إلى حيث يكون له وجود من قبل بفضل تلك البذور التي
ألقاها الرب بنفسه؟
أن من يحمل نفسه مشقة الرجوع إلى وثائق المجمع المسكوني، والتعمق في
التساؤلات التي تستمد منها تلك الأعذار الوهمية ببساطة مفرطة، يستطيع
أن يجد في نصوص الوثائق مفهوماً لحقيقة الأمر مغايراً تماماً لذلك.
حقيقة أنه من الخطأ أن نفرض أي أمر جبراً على ضمائر أخوتنا. ولكن الحال
يختلف تماماً عندما تعرض على الضمير الحقيقة الإنجيلية والخلاص بيسوع
المسيح، في صراحة تامة واحترام مطلق للاختيارات الحرة التي سوف يفاضل
الضمير بينها، - مع تجنب "كل تصرف يبدو وكأن فيه نوعاً من القسر أو
الاقناع غير النزيه أو غير الأمين
(131)- : فهذا بعيد عن
إهدار الحرية الدينية، بل فيه إكرام لهذه الحرية التي يعرض عليها
اختيار طريق يعتبره حتى غير المؤمنين أنفسهم طريقاً نبيلاً وداعياً
للحماس. فهل هناك جريمة في حق حرية الآخر، في أن نعلن أمامه في فرح
الخبر السار الذي سمعناه لتونا بفضل رحمة الرب؟
(132). ولماذا يكون فقط للكذب والضلال والانحراف والخلاعة،
الحق في أن تعرض سافرة، وغالباً للأسف أن تفرض عن طريق الدعاية الهدامة
في وسائل التعبير الاجتماعي، بفضل تسامح التشريعات، وجبن الصالحين
واجتراء الأشرار؟ بل أن هذه الطريقة المطبوعة على الاحترام، في عرض
المسيح وملكوته، أكثر من حق، هي واجب على القائم بعمل البشارة. وإنه
لحق للناس أخوته بأن يتلقوا عنه الخبر السار بالخلاص. فهذا الخلاص
يستطيع الله أن يتمه لمن يريد، بالطرق غير العادية التي يعملها هو وحده
(133).
إلا أنه إن كان ابنه قد جاء، فإنما جاء من أجل أن يكشف لنا بكلامه
وبحياته، الطرق العادية للخلاص. وقد أمرنا بأن ننقل إلى الآخرين هذا
الكنف بنفس الحجة التي تكلم بها. ولن يكون عبثاً اهتمام كل مسيحي وكل
قائم بالبشارة بالتعمق في هذه الفكرة عن طريق الصلاة: إن الناس قد
يخلصوه أيضاً بطرق أخرى بفضل رحمة الله، حتى إن كنا لا نعلن لهم
الإنجيل، ولكن هل نستطيع نحن أن نخلص إذا أغفلنا إعلانه عن إهمال أو
خوف أو خجل، - من باب "الاستحياء بالإنجيل"
(134) على حد تعبير
القديس بولس، أو نتيجة الأفكار خاطئة؟ إننا نكون قد قابلنا بالخيانة
دعوة الله الذي يرغب في أن ينمي البذرة، عن طريق صوت خدام الإنجيل،
وسوف يكون منوطاً بنا أن تتحول هذه البذور إلى شجرة، فتعطي ثمارها
كلها.
فلنحافظ إذاً على حرارة الروح، ولنحتفظ بالفرحة اللطيفة المعزية التي
تنشأ عن البشارة بالإنجيل، حتى إذا تطلب الأمر أن نزرع بالدموع. ولتكن
البشارة بالنسبة لنا – كما كانت ليوحنا المعمدان، ولبطرس وبولس، ولسائر
الرسل والعديد من القائمين بالبشارة ممن يدفعون على الإعجاب بهم، طوال
تاريخ الكنيسة – دفعاً داخلياً لا قبل لأي إنسان أو لأي أمر أن نجمده.
ولتكن البشارة فرحاً كبيراً لنا في حياتنا المبذولة في سبيلها. وليتسن
لعالم هذا العصر الذي يسعى في بحثه، تارة من الضيق وتارة في الرجاء، أن
يستقبل الخبر السار، ليس عن طريق قائمين بعمل البشارة يبدون مكتئبين،
يائسين فاقدي الصبر، أو قلقين، وإنما عن يد خدام للإنجيل تشع حياتهم
حرارة، وهم أول من جاءهم فرح المسيح، فيقبلون أن يسخروا حياتهم من أجل
إعلان الملكوت وترسيخ أقدام الكنيسة في داخل العالم.
الحواشي:
130) راجع
رومية 12 : 11
131) راجع
المجمع المسكوني "الفاتيكاني الثاني" – التصريح عن الحرية الدينية – بند
4
AAS – (أعمال الكرسي الرسولي) – 58 (1966) ص 933
132) راجع نفس
الوثيقة بند
9 –
14 – نفس المرجع ص 935 – 940
133) راجع
المجمع المسكوني "فاتيكان الثاني" – مرسوم نشاط الكنيسة الإرسالي –
7 –
AAS – 58 (1966) ص 955
134) راجع
رومية 1 : 16
|