|
تألق الحقيقة
Veritatis splendor
الفصل الثالث
لئلا يُبطل
صليب المسيح" ( 1 قور 1/ 17)
صلاح الأخلاق من أجل حياة الكنيسة والعالم
"لهذه
الحرية قد حرّرنا المسيح" (غلا 5/ 1)
84- إن المسألة
الأساسية التي تثيرها بنوع خاص التعاليم الأخلاقية المشار إليها
سابقاً، هي مسألة العلاقة بين حرية الإنسان وشريعة الله، والعائدة
بالنهاية إلى العلاقة بين الحرية والحقيقة.
المسيحي
يؤمن والكنيسة تعلّم "أن الحرية الخاضعة للحقيقة هي التي توصل الشخص
البشري إلى خيره الحقيقي"
(136)،
إذا قابلنا
موقف الكنيسة هذا مع الوضع الاجتماعي والثقافي في أيامنا تبين لنا
بوضوح أن على الكنيسة ذاتها أن تقوم بجهد رعوي مكثّف حول هذا
الموضوع الأساسي ذاته: "إن هذه العلاقة الأساسية بين الحق والخير
والحرية مهملة إلى حد بعيد في الثقافة اليوم، وواجب الكنيسة ورسالتها
أن تحثّ الإنسان على أن يكتشفها من جديد، لأجل خلاص العالم. إن سؤال
بيلاطس "وما هو الحق" ينبع من خير الإنسان البائس. إنه لا يعرف، في
الغالب، من هو ومن أين هو آتٍ وإلى أين هو ماضٍ. وهكذا نرى هذا
الإنسان لا ينفك يرتمي متهالكاً في أوضاع تؤدي إلى تدمير ذاته تدميراً
مريعاً. وإذا أعرنا سمعنا بعض الأصوات، فلا مجال بعد للكلام عن قيم
أخلاقية ذات طابع ثابت مطلق. فعلى مرأى من الجميع يُزْدَرَى
بالحياة البشرية في الرحم قبل أن تولد، وتُغتَصَبُ باستمرار حقوق الشخص
البشري الأساسية، وتُهْدَرُ، ظلماً، الخيرات الضرورية لمعيشة الإنسان.
وما هو أخطر من ذلك: الإنسان لم يعد واثقاً بأنه يستطيع أن يجد في
الحقيقة وحدها خلاصه، وقوة الحق توضع موضع الشك وتُنْسَبُ إلى الحرية
وحدها، المعرّاة من كل موضوعية، مهمةُ الخيار الحرّ بين الخير والشر.
مثل هذه النسبيّة في المجال اللاهوتي تنقلب عدم ثقة في حكمة الله الذي
يرعى الإنسان بالشريعة الأخلاقية. إنهم ينقضون ما تأمر به الشريعة
الأخلاقية بما يعتبرونه أحوالاً خاصة، لأنهم لا يعتبرون أن الإنسان
إنما يجد دائماً خيره الوحيد الحق في شريعة
الله" (137).
85- إن الكنيسة
في قيامها بواجب تفنيد هذه التعاليم الأخلاقية لا تقف عند حدّ التنديد
بها ورفضها، إنما تريد بكثير من الحب أن تساعد المؤمنين جميعاً على
تنشئة ضميرهم في موضوع الأخلاق تنشئةً يمكنهم معها أن يتخذوا القرار
المطابق للحقيقة، على حدّ ما يدعو إليه الرسول: "لا تتشبهوا بهذا
العالم بل تحوّلوا إلى صورة أخرى بتجديد أفكاركم لتتبيّنوا مشيئة الله
في ما هو صالح ومقبول وكامل عنده" (روم 12/ 2). وإن الكنيسة في قيامها
بمهمتها هذه تستند – وهذا "سرها" كمؤسسة – لا على نشر التعليم وتوجيه
الإرشادات الرعوية فقط، بل على تركيز أنظارها في الرب يسوع.
الكنيسة ترمق يسوع بحب لا يني كل يوم، وهي تعي جيداً أنها عنده فقط تجد
الجواب الحق والنهائي على السؤال في موضوع الأخلاق.
وبخاصة في
يسوع المعلق على الصليب تجد هي الجواب على السؤال الذي يعذّب
العديد من الناس: كيف يمكن الطاعة لشرائع أخلاقية شاملة ثابتة لا تتغير
أن تحترم فراديّة الشخص البشري وتميّزه ولا يكون فيها تعدّ ٍ على حريته
وكرامته.
الكنيسة
واعية رسالتها كما وعاها بولس الرسول "المسيح... أرسلني... لأبشر لا
بحكمة الكلمة لئلا يصير صليب المسيح باطلاً.... أما نحن فنبشر بالمسيح
مصلوباً عثاراً لليهود وجهالةً للأمم، وأمّا للمدعويين، يهوداً
واليونانيين، فالمسيح هو قوّة الله وحكمة الله" (1 قور 1/ 17، 23- 24).
المسيح المعلّق على الصليب أعطانا معنى الحرية الأصيل، لقد عاش هذه
الحرية إذ قدّم ذاته تقدمةً كاملة وهو يدعو تلاميذه إلى أن يشتركوا
في حريته.
86- إن التبصر
بالعقل والخبرة اليومية يكشفان الضعف الذي تعاني منه حرية الإنسان،
حرية ولا شك صحيحة، لكنها محدودة: ليس لها في ذاتها مبدؤها الثابت
المطلق بل في الإطار الموجودة فيه الذي يحدُّها يوفر لها الإمكانيات في
آنٍ معاً. إنها حرية مخلوق، أي حرية معطاة يجب أن تُقبل مثل زرع يتولى
الضمير إنضاجه. بها ترتسم في الإنسان المخلوق تلك الصورة التي توفر له
الكرامة كشخص بشري، لأن بها يتردد صدى الدعوة الأولى التي دعا بها
الخالق الإنسان إلى الخير الحقيقي وإلى ما هو أعظم وما أوحى به المسيح:
إلى عقد صداقة معه، والاشتراك بالحياة الإلهية ذاتها. بالحرية يمتلك
الإنسان ذاته بلا منازع وينفتح بالوقت ذاته على الناس، بالخروج من ذاته
من أجل معرفة الآخر ومحبته
(138). أساس الحرية إذن هو حقيقة الإنسان
وغايتها المشاركة.
إن العقل
والخبرة لا يتحدثان عن ضعف الحرية البشرية فقط بل أيضاً عن مأساتها.
يكتشف الإنسان سرّ انحراف حريته عن طلب الحق والخير ليختار في الغالب
ما هو زائل ومحدود وعابر. بل أنه يجد في أفكاره المضلّلة وخياراته
الخاطئة أصل ذلك التفلّت الجذري الذي يدفعه إلى أن ينبذ الحق والخير
وأن يجعل من ذاته مبدأ ذاته المطلق: "تصيران مثل الله" (تك 3/ 5).
الحرية إذن تحتاج إلى من يحرّرها، والمسيح هو المحرّر: "هو من
حرّرنا لنصير أحراراً" (غلا 5/ 1).
87- المسيح أعلن
أن معرفة الحق باستقامة وانفتاح هي الشرط لحرية صحيحة: "تعرفون الحق
والحق يحرركم" (يو 8/ 32)
(139). الحق جعل الشهداء أمام السلطات
أحراراً أقوياء. وكذلك القول عن يسوع أمام بيلاطس: "إني لهذا وُلِدْت
ولهذا أتيت إلى العالم لأشهد للحق" (يو 18/ 37) وهكذا يجب على الذي
يعبدون الله أن "يعبدوه بالروح والحق" (يو 4/ 23). وبهذه العبادة
يصيرون أحراراً. التقيد بالحقيقة وعبادة الله في المسيح يسوع هما
بمثابة الأصل العميق الذي فيه تتجذر الحرية.
هذا وإن
يسوع في حياته لم يبيّن بالكلام فقط أن الحرية تكمل بالحب، أي ببذل
الذات. فالذي قال: "ما من حبّ أعظم من يبذل حياته عن أحبائه" (يو 15/
13)، بادر الآلام راضياً (متى 26/ 46) وبذل حياته من أجل الجميع طاعة
لأبيه على الصليب (فيلبي 2/ 6- 11). لذلك فالتأمل بيسوع معلقاً على
الصليب هو الدرب الملوكية التي يجب على الكنيسة أن تسير عليها كل يوم
إذا كانت تريد أن تفهم معنى الحرية كله: إنها في بذل الذات في سبيل
الله والإخوة. وإن الاتحاد بالرب معلّقاً على الصليب وقائماً من
الموت هو النبع الذي لا ينضب، منه تنهل الكنيسة بلا انقطاع، لكي،
بالحرية، تحيا وتعطي وتخدم. إن القديس أغوسطينوس في شرحه الآية الثانية
من المزمور التاسع والتسعين: "اعبدوا الرب بالفرح" يقول: "في بيت الله
العبادة حرة. العبادة حرة حيث لا القسر بل الحب هو الذي يَعبُد... كن
بالحب عبداً لأنك بالحق صرت حراً... أنتَ عبدٌ وحرٌ معاً. عبدٌ لأنك
صرتَ عبداً، وحرٌ لأنك محبوب من الله الذي صنعك، بل أنت أيضاً حرٌ لأنك
تحب ذاك الذي صنعك... أنتَ عبدُ الرب، ومعتق الرب. فلا تحاول أن تتحرر
بابتعادك عن بيت محرّرك!"
(140).
هكذا تدعى
الكنيسة ويدعى كل مسيحي فيها إلى الاشتراك في خدمة المسيح الملوكية على
الصليب (يو 12/ 32) وفي النعمة وأيضاً في مسؤولية ابن الإنسان "الذي ما
جاء ليُخدَم بل ليَخدُم ويبذل نفسه فداءً عن الكثيرين" (متى20/ 28)
(141).
يسوع هو
إذن مثال الحرية الكاملة الحيّ والشخصي في الطاعة المطلقة لمشيئة الله.
جسده المسمّر على الصليب هو عنوان الوثاق الذي لا ينحلّ بين الحرية
والحقيقة كما أن قيامته من بين الأموات هي تمجيد لخصوبة الحرية وقوّتها
الخلاصية، حريّة نمارسها في الحقيقة.
"أن
نمشي في النور" (1 يو 1/ 7)
88- معارضة
الحرية للحقيقة بل انفصالها التام عنها ينشآن ويظهران ويتمان في
فصام أخطر وشرٍّ من أي شيء سواه، هو الفصل بين الإيمان والحرية.
إن هذا
الفصل يشكل همّاً من أكبر هموم الكنيسة الرعوية تجاه تيار العلمنة
الحالي وهي ترى الكثيرين يفكرون ويعيشون "كما لو أن الله ليس موجوداً".
إننا نواجه عقلية سائدة تؤثر تأثيراً عميقاً وعلى نطاق واسع في مواقف
المسيحيين أنفسهم وتصرفاتهم، يضعف فيهم الإيمان فيفقد خاصيته كقاعدة
للاستنارة وللعمل في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية. والواقع أن
القواعد التي يعتمدها المؤمنون لأحكامهم وقراراتهم، في إطار حضارة
مفرّغة من مسيحيتها، تبدو في الغالب غريبة بل معارضة لما يعلّمه
الإنجيل.
فصار لا
بدّ للمسيحيين من أن يعودوا فيكتشفوا جديد إيمانهم والقوة التي ينفح
بها أحكامهم في وجه هذه الحضارة الواسعة الانتشار والقادرة جداً:
"كنتم من قبلُ في ظلمة، يقول بولس الرسول محذّراً، أما الآن فأنتم نور
بربنا. فسيروا الآن كأبناء النور. إن ثمار النور في كل صلاح وبرّ وحق.
فكونوا مميزين ما هو حسن لدى ربنا ولا تكونوا مشاركين في أعمال الظلمة
التي هي بلا ثمر، بل كونوا موّبخين عليها... فانظروا الآن كيف تسيرون،
لا كالجهال، بل كالحكماء الذي يفتدون الزمن لأن الأيام سيئة" (أفسس5/
8- 11و 15- 16، تسا 5/ 4- 8).
فلا بدّ
إذن من العودة إلى الإيمان وإبراز وجهه المسيحي الحق، إنه ليس مجرد
مجموعة قضايا على العقل أن يسلّم بها ويصدّقها، بل هو معرفة المسيح
معرفة اختيارية، أن نذكر وصاياه ذكراُ حياً، إنه حقيقة تعاش.
هذا،
والكلمة لا تكون قُبِلت حقاً ما لم تتحوّل إلى أعمال، ما لم تمارَس.
الإيمان قرار يُلزم كيان الإنسان كله. إنه للمؤمن لقاء وحوار واتحاد
الحب والحياة مع يسوع المسيح الذي هو الطريق والحق والحياة (يو 14/ 6).
إنه يستوجب فعل ثقة وتسليم الذات للمسيح، يؤهلنا لأن نعيش كما عاش هو،
(غلا 2/ 2) أي في محبة الله والأخوّة كلَّ المحبة.
89- بيد أن
للإيمان محتوى تعليمياً وأخلاقياً. إنه يُنشِئ ويتطلّب حياة التزام صحيح
في أن نقبل ونحفظ وصايا الله كما يعلّمها الإيمان ويكّملها، على حدّ ما
جاء عند يوحنا: "الله نور ولا ظلمة فيه. وإذا قلنا إن لنا شركة معه
ونحن نمشي في الظلام نكون كذابين، لا نسلك بالحق... وبهذا ندرك أننا
عرفناه إذا حفظنا وصاياه. من قال: "إني أعرفه" وهو لا يحفظ وصاياه هو
كذاب وليس الحق فيه. وأما من يحفظ كلمته فذاك تكمُل فيه حقاً محبة
الله، وبهذا نعرف أننا فيه. والذي يقول: أنني فيه ثابت وجب عليه أن
يسلك كما هو سلك" (1يو1/ 5- 6 و2/ 3- 6).
بالممارسة
الأخلاقية يصير الإيمان "اعترافاً" لا أمام الله فقط بل أيضاً
أمام
الناس. يصير شهادة: "أنتم نور العالم، قال يسوع، لا تخفى مدينة
مبنية على جبل ولا يوقد سراج ويوضع تحت مكيال بل على منارة ليضيء على
جميع من في البيت. فليضيء هكذا نوركم أمام الناس ليروا أعمالكم الحسنة
ويمجدوا أباكم الذي في السموات (متى 5/ 14- 16) هذه الأعمال هي خاصة
أعمال المحبة (متى 25/ 31- 46) والحرية الحقيقية التي تظهر وتحيا
بعطاء الذات، عطاء كاملاً كما فعل يسوع الذي على الصليب
"أحب كنيسته وبذل ذاته لأجلها" (أفسس5/ 25). شهادة يسوع هي الينبوع
والمثال والنموذج لشهادة التلميذ المدعو لأن يخطو هذه الخطوة: "من أراد
أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني" (لو 9/ 23).
وللمحبة كما تأمر بها الوصايا الإنجيلية، أن تقود المؤمن إلى تأدية
أسمى الشهادات، الشهادة بالدم، دائماً سيراً في خطى يسوع الذي مات على
الصليب: "فتشبّهوا الآن بالله كالأبناء الأحباء، كتب بولس يقول لأهل
أفسس، وسيروا بالمحبة كما أحبنا المسيح وبذل نفسه عنا قرباناً وذبيحة
لله، عرفاً طيباً" (أفسس 5/ 1- 2).
شهادة
الدم تمجيد لقداسة شريعة الله التي لا تنقض
90- إن العلاقة
بين الإيمان والأخلاق تتألق بكل بهائها في الاحترام المطلق الواجب
لمتطلبات كرامة كل إنسان التي لا تهدر. متطلبات تحميها الشرائع
الأخلاقية التي تحرّم الأفعال التي هي شر من طبعها بلا استثناء. إن
شمولية الشريعة الأخلاقية وثباتها يُظهِران ويخدمان معاً الكرامة الشخصية
أي كرامة الإنسان المطلقة التي لا تمس، الإنسان الذي في وجهه يشع بهاء
الله (تك 9/ 5- 6). شهادة الدم المسيحية التي رافقت ولا تزال ترافق
مسيرة الكنيسة تثبت بأجلى وجه ضرورة نبذ التعاليم الأخلاقية التي تنكر
وجود شرائع أخلاقية ناهية ثابتة لتوجيه السلوك، لا تقبل الشواذ.
91- إننا نجد في
العهد القديم شهادات رائعة في الأمانة لشريعة الله المقدسة، أمانة
ثابتة حتى الإقبال على الموت من أجلها. فهذا تعنيه بوضوح قصة سوسنة في
جوابها للقاضيين الفاسقين اللذين هدداها بالموت إن هي صدّت شهواتهما
الدنسة قالت: "لقد ضاق بي الأمر من كل جهة، فإني إن فعلت هذا فهو لي
موت، وإن لم أفعل فلا أنجو من أيديكما. لكن خير لي أن لا أفعل ثم أقع
في أيديكما من أن أخطأ أمام الرب" (دانيال 13/ 22-23) إن سوسنة
بتفضيلها "الوقوع بريئة" في أيدي القاضيين، لم تشهد فقط لإيمانها
وأمانتها لله، بل أيضاً لطاعتها للحقيقة وللنظام الأخلاقي ذي الطابع
المطلق. إنها بإقبالها على شهادة الدم تؤكد أنه لا يحلُّ لنا أن نفعل
ما تعلنه شريعة الله شراً لكي نجني من ذلك خيراً. لقد اختارت "الحظ
الأفضل" : شهادةً جليّة دون مساومة أدتها للحقيقة ولإله إسرائيل على
الخير الحق، وهكذا بأفعالها شهدت لقداسة الله.
وفي بدء
العهد الجديد ذاته يرفض يوحنا المعمدان أن يلتزم الصمت في ما يختص
بشريعة الرب وأن يساوم على الشر، "باذلاً نفسه في سبيل العدالة
والحق" (142)، وهكذا كان "سابقاً" المسيح حتى في شهادة الدم. (مرقس 6/
17- 29). ولذلك "زُجَّ في ظلمة السجن من جاء ليشهد للنور ومن استحق أن
يُدعى سراجاً مضطرماً ومنيراَ بالنور الذي هو المسيح واعتمد بدمه ذاك
الذي أعطي له أن يُعمّد فادي العالم"
(143).
وإننا نجد
في العهد الجديد ذكر شهادات عديدة أدّاها أتباع المسيح، بدءاً
باسطفانوس الشماس (أع 6/ 8 إلى 7/ 60) والرسول يعقوب (أع 12/ 1- 2)
الذين استشهدوا في سبيل إيمانهم ومحبة المعلّم رافضين أن ينكروه. وبذلك
تبعوا الرب يسوع الذي شهد أمام قيافا وبيلاطس "شهادة حسنة" (1تيمو 6/
13)، مثبتاً حق إنجيله بتقدمة حياته. وشهداء آخرون لا يُحصى عددهم
احتملوا الاضطهاد والموت ولم يرضوا أن يقوموا بعمل وثني بإحراقهم
البخور أمام تمثال الامبراطور (أع 13/ 7- 10) حتى أنهم رفضوا التظاهر
بهذه العبادة ضاربين المثل في رفض القيام حتى بعمل واحد منافٍ لمحبة
الله وشهادة الإيمان. بالطاعة، مثل المسيح، سلّموا حياتهم للآب الذي
كان يستطيع وحده أن يحييهم من الموت (عبر 5/ 7).
وتعرض
الكنيسة مثل الكثيرين من القديسين والقديسات الذين بشّروا
بالحقيقة الأخلاقية ودافعوا عنها حتى الشهادة بالدم وفضلوا الموت على
ارتكاب خطيئة واحدة مميتة. والكنيسة بإحصائها إياهم في عداد القديسين
قدّست شهادتهم وأعلنت صدق رأيهم في أن محبة الله تشمل ضرورة حفظ
الوصايا وعدم الانحراف عنها ونبذها وفي أحرج الظروف، حتى في سبيل
الحفاظ على الحياة.
92- في شهادة
الدم التي تؤكد على عدم المسّ بالنظام الأخلاقي تتجلى قداسة الشريعة
وحرمة كرامة الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله، كرامة لا يجوز
أبداً التعرض لها أو الانتقاص منها حتى بنيّة حسنة ومهما كانت
الصعوبات. يسوع يحذّرنا بمنتهى الصراحة قائلاً: "ماذا ينفع الإنسان لو
ربح العالم كلّه وخسر نفسه" (مر8/ 36).
شهادة الدم
تشجب "المدلول الإنساني" الذي يحاول البعض إضفاءه على فعل هو بحدّ ذاته
شر، وتعتبر ذلك زوراً وخداعاً حتى إذا كان في ظروف غير عادية. بل إنها
تفضح صورته الحقيقية، إنه اغتيال لإنسانية الإنسان في الذي يقترفه
أكثر منه في الذي يُقتَرَف بحقه
(144). شهادة الدم هي إذن تمجيد
للإنسانية الكاملة ولحياة الإنسان الحقيقية، كما يشهد بذلك القديس
أغناطيوس الإنطاكي في كلامه للمؤمنين الساكنين في روما حيث تحمّل
الآلام لأجل الإيمان: "سامحوني يا إخوتي. لا تمنعوني من أن أحيا، ولا
تريدوني أن أموت.... دعوني أدرك النور الصافي وإذا ما بلغت إليه حينئذٍ
أصير إنساناً. اسمحوا لي أن أقتدي بآلام إلهي"
(145).
93- وشهادة الدم
هي أخيراً آية قداسة الكنيسة الفائقة. الأمانة لشريعة الله
المقدسة الممهورة بشهادة الدم حتى الموت هي البرهان الساطع والالتزام
الرسولي حتى الدم الذي يحمي تألق الحقيقة في الأخلاق وفي فكر الأفراد
والجماعات من أن يكتنفه ظلام. مثل هذه الشهادة لها شأن منقطع النظير في
شدّ إزر المجتمع المدني، ولا المدني وحده، بل الجماعات الكنسيّة ذاتها،
لتجنيبها أخطر الأزمات التي يمكن أن يتقلب فيها الإنسان وهي الخلط
بين الخير والشر، خلطاً يغدو فيه وضع نظام أخلاقي للأفراد
والجماعات أمراً مستحيلاً. إن الشهداء، وبالعموم جميع القديسين في
الكنيسة بشهادة حياتهم الناطقة الجذابة المستنيرة كلها بتألق الحقيقة
الأخلاقية، ينيرون جميع الأجيال في التاريخ ويوقظون فيهم الحسّ
الأخلاقي. إنهم بشهادتهم الصادقة للخير تأنيبٌ حيّ لجميع الذين يعتدون
على الشريعة (الحكمة 2/ 12) ولا تزال كلمات النبي يتردد صداها في
أيامنا: "ويلٌ للقائلين للشر خيراً وللخير شراً، الجاعلين الظلمة نوراً
والنور ظلمة، الجاعلين المرّ حلواً والحلو مرّاً" (أشعيا 5/ 20).
إذا كانت
شهادة الدم تشكّل قمة الشهادة للحقيقة الأخلاقية، وقليلون نسبياً هم
المدعوون إليها، فثمة شهادة صالحة في متناول المسيحيين ينبغي لهم أن
يستعدوا لها يومياً، لا تُثنيهم عنها التضحيات والانزعاجات مهما عظمت.
لأنه إلى جانب الصعوبات الكثيرة التي يمكن للأمانة للنظام الأخلاقي أن
تواجهها، حتى في ظروف الحياة العادية، المؤمن، مدعو لإلتزام بطولي،
يحققه بمعونة نعمة الله التي يلتمسها بالصلاة وفضيلة القوة، التي تشدّ
إزره وتذهب به، كما يقول القديس غريغوريوس الكبير، حتى إلى "أن يحب
مشقات هذا العالم في سبيل المكافآت الأبدية"
(146).
94- ليس
المسيحيون وحدهم من يشهدون للطابع المطلق الذي يرتديه الخير
الأخلاقي، بل يساندهم الحسّ الأخلاقي لدى جميع الشعوب وفي التقاليد
الدينية والحكمة الشرقية والغربية، غير الغريبة عن فعل روح الله
الباطني والسرّي، يشهد لهم جميعاً الشاعر اللاتيني جوڦـينالس
بقوله: "اعتبر شرّاً عظيماً أن تفضل نفسك على الشرف، ولتحفظ الحياة أن
تفقد دوافع الحياة"
(147). إن صوت الضمير يذّكرنا دائماً بلا لَبَس أن
من الحقائق والقيم الأخلاقية ما يجب علينا أن نكون مستعدين لبذل حياتنا
من أجله.
في ما
يُقال عن القيم الأخلاقية وبخاصة في تضحية الحياة من أجلها، ترى
الكنيسة تلك الشهادة للحقيقة عينها التي كانت حاضرة في عمل الخلق وقد
تجلّت كلها في وجه المسيح: "بما أن الفلاسفة الرواقيين، يقول القديس
يوستينوس، أقله في ما قالوا في الشؤون الأخلاقية، تميّزوا بحكمتهم،
الأمر الذي اتفق أيضاً للشعراء بفضل بذار الكلمة المزروع في كل الجنس
البشري، هؤلاء الذين ساروا بهذا التعليم، تعرّضوا كما نعرف للكراهية
وللقتل" (148).
ـــــــــــــــ
الحواشي:
136) كلمة أمام
أعضاء المؤتمر العالمي للاهوت الأدبي (10/8/1986)، عدد 1:
Insegnamenti IX,
1(1986),p. 970.
137) المرجع
نفسه عدد 2.
138)
دستور راعوي، فرح ورجاء، عدد 24.
139) الرسالة
الحبرية العامة "فادي الإنسان" (4/3/1979)،
عدد 12:
AAS 71(1979),pp. 280-
281
140)
Enarratio in Psalmum
XCIX,7: CCL 39, 1397.
141) المجمع
الفاتيكاني الثاني،
دستور عقائدي، نور الأمم، عدد 36، الرسالة العامة فادي الإنسان
4/3/1979)،
عدد 21:
AAS71(1979),pp 316- 317.
142)
Missale Romanum,
oraison de la Memoire du Martyre de Saint Jean Baptist, 29 août.
143)
S. Bède Le Vénérable, Homeliarum Evagelii Libri, II,
23: CCL 122, 556- 557.
144)
دستور رعوي، فرح ورجاء، عدد 27.
145)
Aux Romains, VI, 2- 3: SC 10 (1969), p.115.
146)
Moralia in Job, VII,
21, 24: PL 75, 778.
147)
Summum crede nefas
animam præfere pudori/et propter vitam vivendi perdere causas":
Satirs, VIII, 83- 84.
148)
Apologie II, 8: PG 6,
457- 458.
|