أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

    

ليَكونوا واحداً                                                                                        Ut unum sint


10- في واقع القسمة الحاليّة القائمة بين المسيحيّين والسعي الواثق إلى الشركة التامة، يشعر المؤمنون الكاثوليك أن سيد الكنيسة يناديهم بإلحاح. فالمجمع الفاتيكاني الثاني قد أكّد التزامهم بفضل تعليم كنسيّ واضح ومنفتح على كلّ القيم الكنسيّة الموجودة عند المسيحيّين الآخرين. والمؤمنون الكاثوليك يتعاطون الشأن المسكونيّ بروح إيمان.

يعلّم المجمع "أن كنيسة المسيح تستمرّ في الكنيسة الكاثوليكية التي يسوسُها خليفة بطرس والأساقفة الذين هم على الشركة معه"، ويقرّ المجمع في الوقت عينه أنه "خارج هيكل الكنيسة العضويّ المنظور، نجد عناصر عديدةً للتقديس والحقيقة تقود، من حيث هي مواهب خاصّةٌ بكنيسة المسيح، إلى الوحدة الكاثوليكية" (11). "ومن ثم فإن هذه الكنائس والطوائف المنفصلة نفسها لا تخلو البتّة – على كوننا نعتقد أنها مشوبةٌ بالنقص -، من المعنى والقيمة في سرّ الخلاص. ذلك بأن روح المسيح لا يستنكف من استخدامها وسائل خلاصٍ، تنبع قوّتها من ملء النعمة والحقيقة الذي اؤتُمنت عليه الكنيسة الكاثوليكية" (12).

11- تؤكّد الكنيسة من خلال ذلك أنها، على مدى الألفي سنة من تاريخها، حُفظت في الوحدة مصحوبةً بكلّ المواهب التي أراد الله أن يخصَّ بها كنيسته، وذلك بالرغم من الأزمات – الخطيرة أحياناً – التي خضّتها، وعدم أمانة البعض من خدّامها والأخطاء التي يتعرّض لها يوميّاً أعضاؤها. إن الكنيسة الكاثوليكية تعرف أنه، بفضل الدعم الذي يأتيها من الروح، لا تستطيع الأوهان والصَّغارات والأخطاء وأحياناً الخيانات الصادرة عن بعضٍ من أبنائها أن تحطّم ما وضعه الله فيها وفقاً لتدبير نعمته. حتى "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 16 / 18).

ومع ذلك، فالكنيسة الكاثوليكية لا تغفل أنّ في حضنها من يُغَشّون تدبير الله. وعندما يأتي على ذكر انقسام المسيحيّين، لا يتجاهل القرار المجمعيّ عن الحركة المسكونيّة "ذنب أفرادٍ من هذا الفريق أو ذاك" (13)، ويعترف أن المسؤولية لا يمكن أن تُلقى على عاتق "الآخرين" وحدَهم. وبنعمته تعالى لم يقوَّض مع ذلك ما يعود إلى بُنية كنيسة المسيح، ولا الشركة التي تبقى راسخة مع الكنائس والجماعات الكنسيّة الأخرى.

في الواقع إن عناصر التقديس والحقيقة المتوفّرة في الجماعات المسيحيّة الأخرى وعلى مستوياتٍ مختلفة في كلٍّ منها – تشكل أساساً موضوعيّاً للشركة القائمة، وإن ناقصة، بينها وبين الكنيسة الكاثوليكية.

وبقدر ما تتوفّر هذه العناصر في الجماعات المسيحيّة الأخرى يتأمّن فيها الحضور الفاعل لكنيسة المسيح الواحدة. لذلك يتحدّث المجمع الفاتيكاني الثاني عن شركة حقيقيّة، وإن كانت غير تامة. والدستور العقائدي "الكنيسة" (نور الأمم) يُلمح إلى أن الكنيسة الكاثوليكية "تعلم أنها متحدّة لأسبابٍ عديدة" (14) بتلك الجماعات، بشركة أكيدة وحقّة، في الروح القدس.

12- إن الدستور العقائدي نفسه يشرح مطوّلاً "عناصر التقديس و الحقيقة" التي تتوفّر وتعمل، بطرقٍ مختلفة، ما وراء الحدود الظاهرة للكنيسة الكاثوليكية: "فمنهم كثيرون يتّخذون الكتاب المقدّس قاعدةً لإيمانهم وسيرتهم، ويُظهرون غيرةً دينيّة صادقة، ويؤمنون بحبٍّ بالله الآب القدير، وبالمسيح ابن الله المخلّص، ويتّسمون بسمة المعموديّة التي بها يتّحدون بالمسيح؛ ويعترفون أيضاً بأسرار أخرى ويقبلونها في كنائسهم أو جماعاتهم الكنسيّة الخاصة. وبعضهم ينعمون بالأسقفية، ويقيمون الإفخارستيا المقدّسة، ويضطرمون بالتقوى تجاه العذراء أم الله. زد على ذلك الشركة في الصلاة والخيرات الروحيّة الأخرى، علاوةً على نوع من الاتحاد الحقيقيّ في الروح القدس الذي يفعل فيهم، بمواهبه ونعمه، فعله المقدّس، وقد شدّد بعضهم حتى بذل الدم. وهكذا، فإن الروح القدس يحرّك، في جميع تلاميذ المسيح، الرغبة والعمل في سبيل اتحاد الجميع، اتحاداً سلاميّاً، على الوجه الذي أراده المسيح: أي أن يكونوا رعيّةً واحدة لراع واحد" (15).

بالنسبة إلى الكنائس الأرثوذكسيّة، استطاع القرار المجمعيّ عن الحركة المسكونيّة أن يعلن على الأخصّ أنه "بإقامة إفخارستيا الربّ في كلّ من هذه الكنائس، تُبنى كنيسة الربّ وتكبر" (16). إن الاعتراف بهذا كلّه يتجاوب ومقتضى الحقيقة.

13- إن القرار المجمعيّ نفسه يُبرز ببساطة النتائج العقائدية الناجمة عن هذه الحال. فيُعلن، بالنسبة إلى أعضاء تلك الجماعات: "لمّا كانوا قد بُرّروا بالإيمان الذي نالوه في المعموديّة، وصاروا به أعضاءً لجسد المسيح، فإنهم بحقٍّ يحملون الاسم المسيحيّ، وبحقٍّ يرى فيهم أبناء الكنيسة الكاثوليكية إخوةً في الربّ" (17).

وفيما يذكّر البيان المجمعي بالخيور العديدة المتوفّرة في الكنائس والجماعة الكنسيّة الأخرى، يضيف قائلاً: "وهذا كلّه الذي ينبع من المسيح ويقود إليه هو، بقوّة الحقّ، مِلكُ كنيسة المسيح الواحدة. وكذلك أيضاً، فإن كثيراً من شعائر الدين المسيحيّ المقدّسة يُمارس عند إخوتنا [في الكنائس الأخرى]، ومن شأنه يقيناً أن يؤتي، بوجوهٍ تختلف باختلاف وضع كل كنيسة أو جماعة، وبصورة فعّالة، حياة النعمة؛ ولا بدَّ من الإقرار بأنه يولج في شركة الخلاص" (18).

إن تلك نصوصٌ مسكونية فائقة الأهمية. إنّا لا نجد فراغاً كنسيّاً، خارجاً عن حدود الجماعة الكاثوليكية. فهناك عناصر عديدة عظيمة الأهميّة اندمجت، في الكنيسة الكاثوليكية، في ملء وسائل الخلاص ومواهب النعمة التي تؤلّف الكنيسة، وهي متوفّرة أيضاً في الجماعات المسيحيّة الأخرى.

14- هذه العناصر كلُّها تؤلّف بحدّ ذاتها نداءً إلى الوحدة لكي تجد فيها ملئَها. وهذا لا يعني أنّا نعمل على جمع كلّ الثروات المبعثرة في الجماعات المسيحيّة، كي نبلغ إلى كنيسة يريدها الله في المستقبل. فوفقاً للتقليد العظيم الذي يثبّته آباء الكنيسة في الشرق والغرب، تؤمن الكنيسة الكاثوليكية أنه، في حدث العنصرة، أعلن الله، منذ ذلك الحين، الكنيسة في واقعها الأخيريّ، الذي كان يهيّئه "منذ عهد هابيل البارّ" (19).

 لقد أُعلنت الكنيسة. لذلك أصبحنا نحن في الأزمنة الأخيرة. وعناصر تلك الكنيسة المعلنة، تتوفّر موحَّدةً في كمالها، في الكنيسة الكاثوليكية، وبدون هذا الكمال، في الجماعات الأخرى (20)، حيث بعض وجوه السرّ المسيحيّ برزت أحياناً أكثر إلى النور. وفي الواقع تهدف الحركة المسكونيّة إلى تقدّم الشركة الجزئية الموجودة بين المسيحييّن فتبلغ ملء الشركة في الحقّ والمحبّة.

 

الحواشي:
11) المرجع نفسه، الرقم 8.
12) "الحركة المسكونيّة"، الرقم 3.
13) المرجع نفسه.
14) الرقم 15
15) المرجع نفسه.
16) "الحركة المسكونيّة"، الرقم 15 .
17) المرجع نفسه، الرقم 3.
18) المرجع نفسه.
19) القديس غريغوريوس الكبير، مواعظ في الإنجيل 19، الرقم 1 : وردت في "الكنيسة" (نور الأمم)، الرقم 2.
20) "الحركة المسكونيّة"، الرقم 4.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي