|
المسبحة
الوردية لمريم العذراء
Rosarium Virginis
Mariae
5- طريق المشاهدة التأمُّلية
إن السبب
الأكبر لإعادة اكتشاف أهميّة تلاوة المسبحة الوردية هو أن هذه التلاوة
تؤلِّف وسيلةً قيِّمةً تُنشِّط عند المؤمنين الالتزام بالمشاهدة
التأمُّلية للسرِّ المسيحي. لقد عرضت هذا الالتزام في الإرشاد الرسولي
"بدء الألفية
الجديدة"
كطريقةٍ تربويةٍ صحيحة للقداسة: "لا بدَّ من دينٍ مسيحي يمتاز قبل كلّ
شيءٍ بفنِّ الصلاة"
(9). ففي الوقت الذي تُعلنُ الثقافة العصرية – في وسط
تناقضات كثيرة – مطلباً ملحاً جديداً لروحانية تنجم عن تأثير دياناتٍ
أخرى، فقد بات من الضروري، قبل أيّ وقتٍ مضى، أن تكون جماعاتنا
المسيحية "مدارس صحيحةً للصلاة"
(10).
إن تلاوة
المسبحة الوردية تدخل في قلب أنقى وأشهر تقليدٍ للمشاهدة التأمَّلية
المسيحية. فإن هذه التلاوة قد انتشرت في الغرب، وأصبحت بنوعٍ خاص صلاةً
تأمُّليةً، وقابلتها صلاة القلب أو "صلاة يسوع" التي نمت في أرض الشرق
المسيحي.
6- الصلاة لأجل السلام والأسرة
إن هناك
مناسباتٍ تاريخيةً قد ساهمت في تجديد طابع المسبحة الوردية تجديداً
أفضل. وأولى هذه المناسبات ضرورة الإلحاح على طلب نعمة السلام من الله
تعالى. ففي مطلع الألف الثالث الذي بدأ بحوادث جريمة مروِّعة في 11
أيلول 2001، والذي لا يزال يسجِّل كل يومٍ في مناطق متعدّدة من العالم
حوادث دمويةً وعنيفة، فإن اكتشاف دور المسبحة الوردية يعني الاستسلام
إلى التعمُّق في المشاهدة التأمُّليّة لسرّ الذي "هو سلامنا"، الذي جعل
من "الشعبين شعباً واحداً وهدم الحاجز الذي يفصل بينهما أي الحقد" (أفسس
2 / 14). فنحن لا يمكننا أن نتلو المسبحة من دون أن نشعر بأننا منجذبون
نحو التزامٍ دقيقٍ في سبيل خدمة السلام، ولاسيَّما في أرضِ يسوع
المعذّبة، والتي هي حبيبةٌ إلى قلوب المسيحيين.
ومن ناحيةٍ
مشابهةٍ، فإنه من الضروري أن نلتزم بالصلاة لأجل وضعٍ آخر قائمٍ في
عصرنا، دقيقٍ للغاية، هو وضع الأسرة. فالأسرة التي هي خليَّة المجتمع،
تهاجمها قوى هدّامةٌ على الصعيدين الأيديولوجي والعملي. وهذا ما يجعلنا
نخشى على مستقبل هذه المؤسَّسة الأولى التي لا يمكن الاستغناء عنها،
كما نخشى معها على مستقبل الجماعة البشرية كلّها. ففي الإطار الواسع
لرعاية الأسرة، فإن تجديد تلاوة المسبحة الوردية في الأسرة المسيحية
يهدف إلى تقديم مؤازرةٍ فعَّالةٍ لصدِّ النتائج الجارفة التي تنتج عن
هذه الأزمة الحالية.
7- هذه أُمُّكَ
إن علاماتٍ
كثيرةً تبيِّن ما تريد العذراء القديسة أن تحقّقه اليوم من خلال هذه
الصلاة. إنها الأمّ الواعية التي سلَّم إليها المخلِّص قبل موته
بلحظات، في شخص التلميذ الحبيب، كلَّ أبناء الكنيسة: "يا امرأة هو ذا
ابنُكِ" (يوحنا 19 / 26). إن الأحداث التي أظهرت فيها أمّ المسيح
حضورها وأسمعت صوتها، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، لتَحُثَّ شعب
الله على هذا النوع من الصلاة التأمُّليّة هي أحداثٌ معروفة. وبسبب
تأثيرها الواضح الذي تحتفظ به في حياة المسيحيين، وبسبب اعتراف الكنيسة
بأهميَّتها، فإني أرغب في أن أذكر بنوعٍ خاص ظهورات لورد وفاطمة
(11)،
اللتين يؤمُّ الكثير من الحجَّاج كُلاً من كنيستَيْهما للبحث عن
المؤازرة والرجاء.
8- على خطى الشهود
إنه من
المستحيل أن نذكر جميع أسماء المجموعة الكبيرة التي لا يُحصى عددها من
القديسين الذين وجدوا في تلاوة المسبحة الوردية طريقاً أميناً لبلوغ
القداسة. يكفي أن نذكر منهم القديس لويس ماري غرينيون دي مونفور الذي
كتب كتاباً نفيساً في تلاوة المسبحة الوردية
(12). ونذكر من هو أقرب منه
إلينا، وهو الأب بيُّو من بيترلشينا P. Pio da
Pietrelcina
الذي ابتهجت بتطوبيه منذ مدّةٍ قريبة. أما الطوباوي
برتولو لونغو فقد كانت له موهبةٌ خاصة، وهي موهبة رسول تلاوة المسبحة
الوردية. إن طريق القداسة ارتكز عنده على إلهامٍ سمعه في أعماق قلبه:
"مَنْ نشرتلاوة المسبحة الوردية فهو مُخلَّص"
(13). وانطلاقاً من هذا الحدث
شعر بأنه مدعوٌّ إلى أن يبني في مدينة بومباي
Pompei
معبداً لسيّدة الوردية بقرب آثارات المدينة القديمة
التي كانت البشارة الإنجيلية قد دخلتها منذ عهدٍ وجيز قبل أن تُدفن تحت
انفجار بركان فيزوف Vsuve
في العام 79، والتي عادت إلى الحياة بعد قرونٍ طويلةٍ لتشهد أنوار
الحضارة الكلاسيكية وظلالها.
إن بَرتولو
لونغو قد أنعش بعمله الخاص، و لاسيّما "بالسبوت الخمسة عشر" روح المحبة
للمسيح وفكرة المشاهدة التأمُّليّة بالمسبحة الوردية. وقد لاقى في سبيل
ذلك تشجيعاً خاصاً وسنداً لدى البابا لاون الثالث عشر "بابا المسبحة
الوردية".
الحواشي:
9) رقم
32.
10) رقم
33.
11) علينا أن نؤكد الأمر المعروف بأن الإيحاءات الخاصة لا تتمتع بنفس
طبيعة الوحي العام الذي يُلزِم الكنيسة بأجمعها. على سلطة الكنيسة
التعليمية أن تميِّز وتعترف بأصالة الإيحاءات الخاصة وقيمتها بالنسبة
لتقوى المؤمنين.
12) سر المسبحة العجيب للتوبة والخلاص (Il segreto
meraviglioso del Santo Rosario per convertirsi e salvarsi:
Opere, 1, Scritti Spirituali, Roma 1990, pp. 729-843.)
13) B. Bartolo Longo, Storia del
Santuario di Pompei, Pompei 1990, p.59
|