أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

رسالة الفادي                                                                               Redemptoris missio

 

53- على المرسَلين الذين ينتسبون إلى كنائس أخرى وبلدان أخرى أن يندمجوا في العالم الاجتماعي والثقافي للذين أرسلوا إليهم، بتخطيهم ظروف محيطهم الأصليّ. وبالتالي عليهم أن يتعلموا لغة المنطقة حيث يعملون، وأن يعرفوا العبارات الأكثر تعبيرا عن ثقافة السكان، باكتشافهم قيما بالاختبار المباشر. وهكذا بفضل تلك المعرفة فقط، سيتمكّنون من تسليم الشعوب، بطريقة قابلة للتصديق ومثمرة، معرفة السرّ المكتوم. (راجع 16 / 25 – 27، اف 3 / 5). بالتأكيد، لا يطلب إليهم أن يتخلوا عن هويتهم الثقافية، بل أن يتفهمّوا ثقافة المحيط حيث يعملون، ويقدّروها، ويرقّوها، ويبشروها بالإنجيل، فيكونوا عندئذ قادرين على المشاركة في ذلك المحيط، بتبنيهم نمط حياة يكون علامة شهادتهم الإنجيلية وتضامنهم مع الناس.

إن الجماعات الكنسية الناشئة، التي تستلهم الإنجيل، ستتمكنّ تدريجيا من التعبير عن اختبارها المسيحي بطريقة مبتكرة، في خطّ تقاليدها الثقافية، شرط أن تبقى في تآلف مع المتطلبات الموضوعية للإيمان الحق. لبلوغ هذا الهدف، خاصة في ما يتعلق بحقول الاندماج الثقافي الأدق، على الكنائس الخاصة في المنطقة نفسها أن تعمل بالاشتراك مع غيرها (90)، ومع الكنيسة كلها، مقتنعة بأن وحده الانتباه إلى الكنيسة الجامعة وإلى الكنائس الخاصة سيجعلها قادرة على ترجمة كنز الإيمان في التنوع المشروع للتعبير عنه (91). لهذا فإن المجموعات المبشّرة بالإنجيل ستوفر العناصر لـ "ترجمة" الرسالة الإنجيلية (92)، مع الأخذ بالاعتبار العناصر الإيجابية المنتقلة عبر الأجيال بفضل اتصال المسيحية بمختلف الثقافات، لكن دون نسيان أخطار التحريف التي ظهرت (93) في بعض الأحيان.

54- ولا بدّ في هذا الصدد، من بعض التوضيحات الأساسية. فالاندماج الثقافي إذا ما وجه بشكل سليم يجب أن يسير على مبدأين: "استساغة الإنجيل مختلف الثقافات التي يُقبل عليها، وبالاشتراك مع الكنيسة الجامعة" (94). والاساقفة بصفتهم أمناء على "ذخيرة الإيمان"، يسهرون على الأمانة، وبخاصة على واجب التمييز (95)، وهذا ما يتطلّب اتّزانا عميقا. لأننا، بدون تحليل نقدي، نتعرض لخطر الانتقال من نوع من الاغتراب بالنسبة إلى الثقافة، إلى المغالاة في تقييم الثقافة، التي هي من انتاج الإنسان، وهي مطبوعة بالخطيئة. تحتاج الثقافة، هي أيضا، إلى أن "تُنقّى وتُرفع وتكمّل" (96).

مثل هذا المسار يجب أن يتمّ تدريجيا، بحيث يكون بالحق تعبيرا عن اختبار الجماعة المسيحية: كان بولس السادس يقول في كمبالا: "يجب احتضان السرّ المسيحيّ في عبقرية شعبكم، حتى يرتفع في ما بعد صوته المبتكر والأصفى والأصرح، بانسجام، في جوقة أصوات الكنيسة الجامعة الأخرى" (97). في النهاية، يجب أن يكون الاندماج الثقافي عمل شعب الله. عمل يعكس معنى الإيمان الصادق الذي يجب ألاّ يتوارى عن الأنظار. بالتأكيد، يجب أن نقوده ونشجّعه، ولكن دون تعسّف، لئلا نسبّب ردّات فعل سلبية بين المسيحيين: يجب أن يكون الاندماج التعبير عن الحياة المشتركة، أي أن ينضج في حضن الجماعة، لا أن يكون ثمرة خاصة لأبحاث تاريخية. المحافظة على القيم التقليدية هي نتيجة إيمان ناضج.

- الحوار مع الأخوة من ديانات أخرى
55- إن الحوار بين الديانات يشكّل جزءا من رسالة الكنيسة التبشيرية. فهو، باعتباره طريقة ووسيلة لمعرفة وإغناء متبادلين، لا يتعارض مع الرسالة إلى الأمم. إنه، بالعكس، مرتبط بها، بنوع خاص، وهو تعبير عنها. لأن هذه الرسالة موجهة إلى أناس لا يعرفون المسيح ولا إنجيله. وهم، في أكثريتهم الساحقة، ينتمون إلى ديانات أخرى. إن الله يدعو إليه كل الشعوب، وفي المسيح، يريد أن يشركهم في ملء وحيه ومحبته. ولا يفوته أبدا اظهار حضوره بطرق كثيرة، ليس للأفراد فقط، بل للشعوب أيضا، من خلال غناهم الروحي الذي تعبّر عنه الديانات تعبيرا أساسيا وجوهريا، مع أنها تحتوي "ثغرات وشوائب وأخطاء" (98). لقد نوّه المجمع وتعاليم السلطة اللاّحقة باسهاب عن كلّ ذلك مؤكدة دائما بثبات على أن الخلاص يأتي من المسيح وأن الحوار لا يعفي من التبشير بالإنجيل (99).

في ضوء التدبير الخلاصيّ، تعتبر الكنيسة أن ليس ثمة من تناقض بين البشارة بالمسيح والحوار بين الديانات. ولكنها تشعر بضرورة تنسيقها في إطار رسالتها إلى الأمم، وهما متمايزان. ولهذا يجب عدم مزجهما، ولا استغلالهما، ولا اعتبارهما مرادفين، كما لو كان يمكن ابدالهما الواحد بالآخر.

لقد كتبت مؤخرا إلى أساقفة آسيا: "مع أن الكنيسة تعترف بطيبة خاطر بكلّ ما هو حقّ ومقدّس في التقاليد الدينية عند البوذية، والهندوسية والإسلام، كانعكاس للحقيقة التي تنير البشر جميعا، بيد أن ذلك لا يخفف من واجبها وعزمها على الاعلان بدون تردّد أنّ يسوع المسيح هو "الطريق، والحق والحياة" (...). فإذا كان أتباع ديانات أخرى يتمكنون من تقبل نعمة الله وأن يخلصوا بالمسيح خارجا عن الوسائل العادية التي أسسها، فإن ذلك لا يلغي الدعوة إلى الإيمان وإلى العماد اللذين يريدهما الله للشعوب كافة" (100). فالمسيح نفسه "إذ شدّد بصريح العبارة على ضرورة الإيمان والعماد (...)، وقد أكدّ لنا في الوقت نفسه ضرورة الكنيسة التي يدخلها الناس بالعماد الذي هو الباب" (101)، فعلى الحوار أن يوجّه وينمّى ضمن الاقتناع بأن الكنيسة هي الطريق العادية للخلاص وأنها وحدها تملك ملء وسائل الخلاص (102).

56- ليس الحوار نتيجة استراتيجية أو منفعة، بل إنه نشاط له دوافعه، ومتطلباته وكرامته الخاصة: يتطلّبه الاحترام العميق الواجب نحو كلّ ما يعمله في الإنسان الروح الذي "يهبّ حيث يشاء" (103). تريد الكنيسة، من خلال الحوار أن تكتشف "بذور الكلمة" (104) وأشعة الحقيقة التي تنير الناس أجمعين" (105). وهي بذور واسعة موجودة في الأشخاص وفي تقاليد البشرية الدينية. الحوار مؤسس على الرجاء والمحبة، ويحمل الثمار في الروح. إن الديانات الأخرى تطرح تحديا إيجابيا بوجه الكنيسة اليوم، فهي بالواقع تدفعها إلى اكتشاف آيات حضور المسيح وعمل الروح والاعتراف بها. كما تدفعها أيضا إلى التعمق في هويتها والشهادة لسلامة الوحي الذي تسلّمته لخير الجميع.

من هنا نرى أيّ روح يجب أن يحرك هذا الحوار في إطار الرسالة. على المحاور أن يكون منسجما مع تقاليده وقناعاته الدينية، ومنفتحا على تقاليد الآخر وقناعاته لكي يتفهّمها، بدون مراوغة ولا انغلاق. بل في الحقيقة، والتواضع، والصدق، مع العلم بأن الحوار يمكن أن يكون مصدر غنى لكلّ أحد. يجب ألاّ يكون هنالك استسلام، ولا تساهل، بل شهادة متبادلة، بغية تقدم هؤلاء وأولئك في طريق البحث والاختبار الدينيين، وبغية تجاوز الأفكار المسبقة، وعدم التسامح وسوء التفاهم. يرمي الحوار إلى التطهير والاهتداء الداخليين اللذين، إذا ما تمّا في الخضوع للروح، يُثمران روحياً.
 

الحواشي:
90) المرجع نفسه.
91) "واجب التبشير بالإنجيل"، ارشاد رسولي، عدد 64، المرجع نفسه ص 55.
92) "إن دور الكنائس المحلية إنما يقوم على استيعاب جوهر الرسالة الإنجيلية وتحويلها، دون أدنى تنكّر لحقيقتها الأساسية، في اللغة التي يفهمها أولئك الناس، ومن ثم اعلانها في تلك اللغة... ويجب تفهم "اللغة" هنا، لا بمعناها اللغوي والأدبي، بقدر ما يجب أن تفهم بمعناها الانتروبولوجي الثقافي" المرجع نفسه عدد 63، ص 53.
93) خطاب في اللقاء العام بتاريخ 13 / 4 / 1988 – التعاليم XI, I (1988) PP. 877 – 881 Insegnamenti
94) "وظائف العائلة المسيحية في عالم اليوم"، ارشاد رسولي، للبابا يوحنا بولس الثاني، 22 / 11 / 1981 عدد 10، حيث تجدر الاشارة إلى المثاقفة في حقل الزواج والعائلة، أعمال الكرسي الرسولي، 74 (1982) ص 91.
95) "واجب التبشير بالإنجيل"، عدد 63 65، ارشاد رسولي للبابا بولس السادس، المرجع نفسه ص 53 – 56.
96) "نور الأمم" دستور عقائدي في الكنيسة عدد 17، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
97) "خطاب موجه إلى الأعضاء المشاركين في ندوة أساقفة أفريقيا، كمبالا، في 31 / 7 / 1969، عدد 2، أعمال الكرسي الرسولي 61 (1969) ص 577.
98) "الكلمة الافتتاحية في الدورة الثانية للمجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، في 29 / 9 / 1963 – أعمال الكرسي الرسولي 55 (1963) ص 858 راجع أيضا: "في عصرنا" بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية، عدد 2 – و"نور الأمم"، دستور عقائدي في الكنيسة عدد 16، و"إلى الأمم"، عدد 9، قرار في نشاط الكنيسة الارسالي، و"واجب التبشير بالإنجيل"، عدد 53، ارشاد رسولي، للبابا بولس السادس، المرجع نفسه ص 41 – 42.
99) الرسالة العامة "كنسيته" (Ecclesiam Suam) للبابا بولس السادس، في 6 / 8 / 1964، أعمال الكرسي الرسولي، 56، (1964) ص 609 – 659 – و"في عصرنا" بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية و"إلى الأمم" عدد 11 و41، قرار في نشاط الكنيسة الارسالي، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
100) رسالة إلى أساقفة أسيا في مناسبة الجمعية العامة الخامسة لاتحاد المجالس الاسقفية الآسيوية في 23 / 6 / 1990 عدد 4، في صحيفة الاوسرفاتوري رومانو بتاريخ 18 / 7 / 1990.
101) "نور الأمم"، عدد 14 دستور عقائدي في الكنيسة، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني و"إلى الأمم"، قرار مجمعي في نشاط الكنيسة الارسالي عدد 7.
102) "استعادة الوحدة"، عدد 3، قرار في الحركة المسكونية، و"إلى الأمم"، قرار في نشاط الكنيسة الارسالي، عدد 7، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
103) الرسالة العامة "فادي الإنسان" للبابا يوحنا بولس الثاني، عدد 2 المرجع نفسه ص 279.
104) "إلى الأمم"، قرار في نشاط الكنيسة الارسالي، عدد 11 و 15 المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
105) "في عصرنا"، بيان في علاقة الكنيسة بالأديان غير المسيحية، عدد 2، المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي