أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

فادي الإنسان                                                                               Redemptor hominis 

- ثانياً -
سرّ الفداء


7. في سرّ المسيح
إذا كانت السبل التي وضع المجمع كنيسة هذا العصر عليها والتي هدانا إليها المثلّث الرحمة الحبر الأعظم البابا بولس السادس في رسالته الأولى، ستكون لمدى بعيد هي التي يجب أن نتبعها، يمكننا بحقّ، مع ذلك، بعد أن بلغنا هذه المرحلة الجديدة، أن نتساءل: كيف؟ بأيّة طريقة يجب أن نتقدّم؟ كيف العمل، لدى زمن مجيء الكنيسة الجديد هذا – المرتبط بالألف الثاني المشرف على النهاية – لنقترب من ذاك الذي يدعوه الكتاب المقدس "الأب الأزلي" أبا العصور الآتية (21)؟ هذا ما يجب أن يبحث عنه البابا الجديد، عندما يقبل بروح طاعة الإيمان، ما أوصى به السيّد المسيح بطرس غير مرّة بقوله: "إرعَ خِرافي" (22) وهذا معناه: كن راعياً لقطيعي، وبعدئذ: "وأنت متى رجعت ثبّت إخوتك" (23). ومن الضرورة هنا، أيها الإخوة والأبناء والبنات الأعزّاء، أن نعطي جواباً جوهرياً أساسياً أي أن نحفز النفس ونوجّه العقل والإرادة والقلب إلى السيّد المسيح وحده فادينا، المسيح فادي الإنسان. نريد أن نتلمّس وجهه لأنّ فيه وحده، بما أنّه ابن الله، الخلاص، قائلين مع بطرس: "إلى من نذهب يا ربّ؟ لديك كلام الحياة الأبدية" (24).
وبفضل وعي الكنيسة ذاتها الذي عمّقه المجمع وعلى جميع درجات هذا الوعي وفي جميع مناحي العمل التي تعبّر فيها الكنيسة عن ذاتها وتكتشفها، علينا أن نسعى باستمرار إلى من هو الرأس (25) إلى من "منه الكلّ ونحن فيه" (26)، إلى من هو في الوقت عينه "الطريق والحقّ" (27)، وكذلك "القيامة والحياة" (28) إلى من إذا رأيناه رأينا الأب (29) إلى من كان عليه أن يغادرنا (30) أعني بالموت على الصليب ومن ثمّ بالصعود إلى السماء ليأتي إلينا البارقليط ويأتي باستمرار بما أنّه روح الحقّ (31) فيه جميع كنوز الحكمة والمعرفة (32) وجسده الكنيسة (33). والكنيسة في "المسيح كالسرّ، أي هي علامة الاتحاد الحميم مع الله وأداته وعلامة وحدة الجنس البشري بأجمعه" (34) وأداتها، وينبوع هذا كلّه هو عينه هو الفادي. ولا تفتأ الكنيسة تسمع كلامه الذي تردّده باستمرار، فيما تستعيد بخشوع فائق حياته بتفاصيلها وتستذكرها بدقائقها، وهذا الكلام يسمعه كذلك غير المسيحيين. إنّ حياة المسيح تكلّم في الوقت عينه كثيراً من الناس الذين لا يستطيعون بعد أن يردّدوا مع بطرس قائلين: "أنت المسيح ابن الله الحيّ" (35). أجل هو ابن الله الحيّ يكلّم الناس بوصفه إنساناً أيضاً: ذلك أنّ حياته ذاتها تتكلّم وتتكلّم بشريته وأمانته للحقّ ومحبته التي تشمل الجميع. موته على الصليب يتكلّم كذلك، أعني آلامه البشرية التي لا تسبر أغوارها وعزلته. ولا تني الكنيسة تحيا مستذكرة موته على الصليب وقيامته اللذين يشكلاّن حياة هذه الكنيسة اليومية. وفي الواقع أن الكنيسة تحتفل، بناء على أمر المسيح عينه معلّمها وربّها، دونما انقطاع، بالإفخارستيا الذي تجد فيه "ينبوع الحياة والقداسة" (36)، وعلامة فاعلة للنعمة وللمصالحة مع الله وعربون الحياة الأبدية. وتحيا الكنيسة وتستذكر سرّه الذي تنهل منه دونما كَلَل وتدأب في البحث عن طرق تستطيع معها تقريب معلّمها وسيّدها من الجنس البشري: من الشعوب والأمم والأجيال المتعاقبة، من كل إنسان بمفرده، كما لو كانت تردّد دائماً على مثال الرسول: "فأني لم أشأ أن أعرف شيئاً، وأنا بينكم، غير يسوع المسيح بل يسوع المسيح المصلوب" (37). إنّ الكنيسة تدور في فلك سرّ الفداء الذي صار من باب التأكيد المبدأ الأساسي لحياتها وعملها.

8. الفداء: خلق جديد
فادي العالم فيه تجلّت بطريقة جديدة، عجيبة، حقيقة الخلق الأساسية التي يثبتها سِفْر التكوين عندما يردّد مراراً: "رأى الله ذلك إنه حسن" (38). إنّ ما هو حسن ينبع من الحكمة والمحبة. والعالم المنظور الذي خلقه الله لأجل الإنسان (39) – هذا العالم الذي عندما دخلته الخطيئة، أُخضع للباطل (40) – استعاد بالمسيح يسوع الرابطة القديمة التي كانت تربطه بمصدر الحكمة والمحبة الإلهي. "إنّ الله بلغ من حبه للعالم أنّه جاد بابنه الوحيد" (41) وكما أنّ هذه الرابطة قد انقطعت بآدم الإنسان، هكذا توثقّت من جديد بالمسيح الإنسان (42). أفلا يقنعنا، نحن أناس القرن العشرين، كلام الرسول، على ما فيه من سحر بلاغة، عن الخليقة التي تئن إلى اليوم من آلام المخاض" (43) وتنتظر بفارغ الصبر تجلّي أبناء الله (44) في الخليقة التي "أُخضعت... للباطل"؟ أفليس هذا التقدّم العظيم الذي لم يُعرف من ذي قبل، والذي تجلّى على الأخصّ في عصرنا الحاضر في مجال سيطرة الإنسان على العالم، هو ما يُظهر، أكثر من أيّ وقت مضى، هذا الإخضاع للباطل؟ وحسبنا أن نذكر بعض وقائع من مثل التلوث الذي يهدّد البيئة، في المناطق التي اكتظّت بالمصانع بسرعة، والصراعات المسلحّة الناشبة باستمرار والآخذة بالتفاقم، والقدرة على التدمير الذاتي من جرّاء استعمال الأسلحة النووية، والهيدروجينية والنيوترونية وما شابهها، وفقدان الاحترام الواجب لحياة من لم يولد بعد. أفليس عالم هذا العصر الحديث عالم الأسفار خارج الفضاء والفتوحات العلمية والفنيّة التي لم يحقّقها الإنسان من قبل، هو، في الوقت عينه، الخليقة التي تئن من ألم المخاض" (45) وتنتظر بفارغ الصبر تجلّي أبناء الله (46)؟ لقد توصّل المجمع الفاتيكاني الثاني في تفحّصّه الدقيق لعالم هذا العصر إلى نقطة لها وزن كبير في العالم المنظور بأجمعه، إلا وهي الإنسان، وذلك عندما نزل مِثْلَ السيّد المسيح، إلى أعماق الضمير الإنساني ولامس سرّ الإنسان الداخلي الذي تسمّيه لغة التوراة (وغير التوراة) القلب. لقد نفذ المسيح عينه، فادي العالم، بطريقة فريدة لا سبيل إلى تكرارها، إلى سرّ الإنسان ودخل "قلبه"، ولهذا يعلّم المجمع الفاتيكاني بحقّ عندما يقول: "إنَّ سرّ الإنسان لا يتضّح إلاّ في سرّ الكلمة المتأنس. لقد كان آدم الإنسان الأول صورة الآتي (روم 5، 14)، في الحقيقة أي المسيح الربّ. إن المسيح آدم الجديد، بإظهاره سرّ الأبّ ومحبته، كشف بجلاء الإنسان للإنسان عينه وأبان له سمّو دعوته". وقال أيضاً: "ذاك الذي هو صورة الأبّ غير المنظور (كولسي 1، 15) هو عينه الإنسان الكامل الذي أعاد إلى أبنا آدم الشَبَه الإلهي الذي شوهّته منذ ذاك الحين الخطيئة الأولى. ولما كان قد اتخذ الطبيعة البشرية دون أن يذيبها فيه، فقد رفعها بذات الفعل إلى مقام عظيم. لأنّه هو ابن الله الذي بتجسدّه قد انضمّ نوعاً ما إلى كلّ من الناس. لقد اشتغل بيدي إنسان وفكّر بعقل إنسان وعمل بإرادة إنسان وأحبّ بقلب إنسان. لقد وُلِد من عذراء وصار حقاً واحداً منا مشابهاً لنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة" (47). إنه فادي الإنسان!

9. البعد الإلهي لسرّ الفداء
وإنّا، إذ نتأمل مجدّداً في هذا الموضوع من تعليم المجمع، لا ننسى، ولو للحظة، أنّ يسوع المسيح ابن الله الحيّ صار مصالحة لنا لدى أبيه (48). إنه هو بعينه وهو وحده أرضى محبّة الأبّ الأزلية، أعني هذه الأبوّة التي تجلّت منذ البدء في خلق العالم وفي منح الإنسان جميع كنوز الأرض، عندما كوّنه فجعله "أنقص قليلاً من الملائكة" (49) أي على صورة الله ومثاله (50)، وأرضى كذلك أبوّة الله هذه ومحبتّه التي تنكّر لها الإنسان نوعاً ما، عندما حنث بالعهد الأوّل (51) مثلما حنث بالعهود التالية التي أبرمها الله مراراً مع الناس (52). إنّ افتداء العالم – سرّ المحبّة هذا الهائل الذي يتجدّد فيه الخلق (53) – هو في أصوله العميقة ملء العدالة في قلب بشري: قلب الابن البكر، لكي، تصبح هذه عدالة قلوب الكثيرين من الناس المعدّين منذ الأزل في هذا الابن البكر ليصبحوا أبناء الله (54) والمدعوين إلى النعمة والمحبّة. وهذا الصليب على الجلجلة الذي "ترك" بواسطته يسوع المسيح الإنسان، ابن مريم العذراء وابن يوسف الناصري بالتربية، هذا العالم إنما هو في الوقت عينه تجلٍّ جديد لأبوّة الله الذي اقترب مجدّداً بالمسيح من الجنس البشري ومن كلّ إنسان أفاض عليه "روح الحقّ" (55) المثلّث القداسة.
وظهور الأبّ وحلول الروح القدس، اللّذان يمهران سرّ الفداء بطابع لا يمحى، يشرحان معنى الصليب وموت المسيح. لقد أظهر إله الخلق عن نفسه، إنه إله الفداء أي الله "الوفيّ (56) لذاته" أعني الوفي لمحبّته التي أظهرها للناس وللعالم يوم الخلق. ومحبتّه هذه لا تحجم عن كلّ ما تقتضيه منه العدالة. ولهذا جعل الله الابن "الذي لم يعرف الخطيئة خطيئة من أجلنا" (57) وإذا كان قد "جعل خطيئة" ذاك الذي لم يعرف يوماً الخطيئة، فقد فعل ذلك ليظهر المحبّة التي هي أكبر من جميع المخلوقات، أجل المحبّة التي هي هو، "لأنّ الله محبّة" (58). ولكنّ المحبّة على الأخصّ هي أكبر من الخطيئة والضعف وأباطيل الخليقة (59). إنها أقوى من الموت، والمحبّة على استعداد دائم للإنهاض وللمسامحة وللذهاب إلى لقاء الابن الضالّ (60) وللبحث عن "تجليّ أبناء الله" (61) المدعوين إلى المجد (62) ويُسمى تجلّي هذه المحبّة أيضاً رحمة (63) وأخيراً قد اتخذ تجلّي هاتين المحبّة والرحمة في تاريخ البشر شكلاً له وإسماً: إنه يدعى يسوع المسيح.

 

الحواشي:

21) اشعيا 9، 6
22) يو 21، 15
23) لو 22، 32
24) يو 6، 86 وأعمال 4، 8 – 12
25) أفسس 1، 10 – 22؛ 4، 25 كولسي 1، 18
26) ا كور 8، 6 راجع كولسي 1، 17
27) يو 14، 6
28) يو 11، 25
29) يو 14، 9
30) راجع يو 16، 7
31) يو 16، 7 – 13
32) كولسي 2، 3
33) روم 12، 5؛ 1 كور 6، 15؛ 10، 17؛ 12، 12 – 27 أفسس 1، 23؛ 2، 16؛ 4، 4، كولسي 1، 24؛ 3، 15
34) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الكنيسة: نور الأمم 1: م ك ر 57 (1965)، 5
35) متى 16، 16
36) طلبة قلب يسوع.
37) كور 2، 2
38) راجع تكوين 1 ومواقع مختلفة.
39) تكوين 1، 26 – 30
40) روم 8، 20 وفي المكان عينه 8، 19 – 22 والمجمع الفاتيكاني الثاني دستور رعوي في الكنيسة في عالم اليوم: فرح ورجاء 2، 13، م ك ر، 58 (1966) 1026؛ 1034 – 1035
41) يو 3، 16
42) راجع روم 5، 12 – 21
43) روم 8، 22
44) روم 8، 19
45) روم 8، 22
46) روم 8، 19
47) دستور رعوي في الكنيسة في عالم اليوم: فرح ورجاء 22، م ك ر، 58 (1966) 1042 – 1043
48) راجع روم 5، 11؛ كولسي 1، 20
49) مز 8، 6
50) راجع 1، 26
51) راجع تك 3، 6 – 13
52) راجع الكتاب المقدّس الروماني، صلاة الإفخارستيا الرابعة.
53) راجع المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، دستور رعوي في الكنيسة عالم اليوم: فرح ورجاء 37: م ك ر، 58 (1966) 1054 – 1055. ودستور عقائدي في الكنيسة، نور الأمم 48: م ك ر، 57 (1965) 53 – 54.
54) راجع روم 8، 29 – 30؛ وأفسس 1، 8
55) يو 16، 13
56) راجع تيمو 5، 24
57) 2 كور 5، 21 راجع غلا 3، 13
58) 1 يو 4، 8، 16
59) راجع روم 8، 20
60) لو 15، 11 – 32
61) روم 8، 19
62) راجع روم 8، 18
63) راجع ما توما: المختصر اللاهوتي 3 مسألة 46، 1 جواب 3.
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي