أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

      

فادي الإنسان                                                                               Redemptor hominis 

- ثالثاُ -
الإنسان المفتَدى
ووضعه في العالم المعاصرْ


13. لقد اتحد المسيح بكلّ إنسان
عندما ننفذ إلى سرّ المسيح، بعد أن تعلّمنا ما تعلّمنا من اختبار العائلة البشرية الآخذة بالتزايد المستمرّ السريع، نفهم بوضوح أكبر أنّ في أساس هذه السبل التي يجب أن تسلكها كنيسة اليوم، وفقاً لتوجيهات البابا بولس السادس (86)، طريقاً وحيداً خبرته العصور وهو أيضاً طريق المستقبل. وقد دلّ المسيح الربّ على هذا الطريق، عندما "اتّحد نوعاً ما ابن الله بتجسّده بكل إنسان"، على ما يعلم المجمع (87). وترى الكنيسة أنّ من أولى واجباتها أن تسعى دائماً إلى تحقيق هذه الوحدة وإلى تجديدها. وهذا ما ترغب الكنيسة في السعي إليه، ليهتدي كلّ إنسان إلى المسيح، ويقطع المسيح أشواط الحياة مع كلّ إنسان، بقوّة الحقّ التي تحرّك الإنسان والعالم والتي تكمن في سرّ التجسّد والفداء وبقوة المحبّة التي تشعّ منه. وبين التطورات التي تطرأ على مجرى الأحداث البشرية وتتزايد باستمرار وتتكاثر في عصرنا في نطاق مختلف الأنظمة والمفاهيم والعقائد حول العالم والسلطات العامّة في الدول، يحضر السيّد المسيح نوعاً ما مجدّداً، برغم أنّه يبدو غائياً، وبرغم ما يواجه الكنيسة من مضايقات مختلفة تمنعها من أن تنعم تماماً بالحضور والعمل الخاصّين بها منذ نشأتها. إنَّ المسيح حاضر بقوّة الحقّ والمحبّة التي بلغت فيه ملئاً فريداً لا سبيل إلى تكراره، برغم حياته القصيرة على الأرض ونشاطه العام الأقصر.
وطريق الكنيسة الأساسي هو يسوع المسيح وهو طريقنا إلى "الآب" (88) والطريق إلى أيّ إنسان. وفي هذا الطريق الذي يؤدّي من المسيح إلى الإنسان، في هذا الطريق الذي ينضّم فيه المسيح إلى كلّ من الناس، ما من أحد يمكنه أن يوقف الكنيسة. هذا ما يقتضيه خير الإنسان الزمني وخيره الأبدي، ومن أجل المسيح وسرّه الذي تتوقف عليه حياة الكنيسة لا يمكن صدّ الكنيسة عن كلّ ما يعود على الإنسان بالخير ولا يمكنها هي أن تتغاضى عمّا يصيبه من ضرر. ولقد أكدّ المجمع الفاتيكاني الثاني في مواضع مختلفة من وثائقه هذه العناية الخاصّة التي تبذلها الكنيسة لكي تزداد الحياة في العالم ملائمة لما للإنسان من كرامة فائقة (89)، من جميع الوجوه، ولتصبح الحياة أكثر إنسانية (90). وهذه هي عناية المسيح عينه الراعي الصالح بجميع الناس. وبفضل هذه العناية، على ما نقرأ في دستور رعوي من المجمع، لا يمكن الكنيسة بحكم رسالتها وصلاحيتها أن تتلبس بأيّ حال من الأحوال بالجماعة السياسية ولا أن ترتبط بأيّ نظام سياسي وهي دليل على ما يمتاز به الشخص البشري من سموّ، و ضمانة له (91).
فالقضيّة هنا تتناول الإنسان في حقيقته الكاملة وفي بُعده الشامل، ولا تتناول الإنسان "المجرّد" بل الإنسان الحقيقي كما هو، الإنسان "الواقعي" "التاريخي"، كما يقال. هي قضية كلّ إنسان، لأنّ سرّ الفداء شمل كلاً من الناس، إذ إن المسيح، عبر سرّ الفداء، انضمّ إلى كلّ إنسان في كلّ زمان. فكلّ إنسان آتٍ إلى الحياة، بعد أن حبلت به أمه وولدته، ينعم برعاية الكنيسة بفضل سرّ الفداء. وتتناول هذه الرعاية الإنسان بكامله وتتركّز بطريقة خاصّة عليه وتتوجه إليه في وجوده الواقعي المحسوس الذي لا يتكرّر والذي تبقى فيه كاملة صورة الله ومثاله (92). وقد أشار المجمع إلى هذا الأمر عندما تحدّث عن هذا الشَبَه، فذكر بأنّ الإنسان هو الخليقة الوحيدة التي "أرادها الله لذاتها" (93) والإنسان الذي "أراده" الله هكذا "واختاره" منذ الأبد ودعاه وأعدّه للنعمة والمجد إنما هو كلّ إنسان، الإنسان "الواقعي" على أكبر قدر من الواقعية، و"الموجود" على أكبر قدر من الوجود، هذا هو الإنسان المزيّن بملء السرّ الذي يشارك فيه المسيح يسوع، هذا السرّ الذي يشارك فيه كلّ من الأربعة مليارات من الناس الموجودين على الأرض منذ اللحظة التي حُبل فيها به كلّ منهم في جوار قلب أمّه.

14. جميع طرق الكنيسة تقود إلى الإنسان
لا يجوز للكنيسة أن تتخلّى عن الإنسان الذي يرتبط "مصيره" بالمسيح ارتباطاً وثيقاً لا ينفصم، أي اختياره ودعوته، ولادته وموته، خلاصه أو هلاكه، ونعني أيّ إنسان وُجد على سطح الكرة الأرضية التي أعطاها الخالق للإنسان الأوّل، للرجل والمرأة يوم قال: "اخضعوها (الأرض) وتسلّطوا" (94). ونقول مطلق إنسان إذا ما اعتبرنا واقع وجوده بكامله الذي لا يتكرّر، واقع عمله، واقع عقله وإرادته، ضميره وقلبه. وللإنسان في واقعه الفريد، بما أنه "شخص"، أطوار حياته، ولا سيّما تاريخ نفسه، وكأنّ الإنسان المفكّر الخاضع لمختلف حاجات الجسد و الحياة الزمنية، يكتب حياته هذه بما يشدّه إلى مختلف الناس من روابط وعادات وظروف حياة وبُنى اجتماعية، ويبدأ بهذه الكتابة منذ بدء وجوده على الأرض أي منذ الحَبَل به وولادته. إن الإنسان في كامل حقيقة وجوده أي في شخصه وحياته الجماعية و الاجتماعية، أعني في نطاق عائلته ومجتمعه ومختلف ظروفه وفي نطاق أمته أو شعبه (ولربما في نطاق ما يشدّه من رباط خاص بعائلته وبقبيلته) وفي نطاق الجنس البشري بأجمعه، هذا الإنسان هو بمثابة الطريق الأوّل الذي يجب على الكنيسة أن تسلكه لدى قيامها برسالتها. إنه طريق الكنيسة الرئيسي الأوّل الذي شقّه السيّد المسيح، إنّه الطريق الذي يمرّ دائماً بسرّ التجسّد والفداء.
إنّ هذا الإنسان بالذات، في كامل حقيقة حياته وفي ضميره وميله المستمرّ إلى الخطيئة وتوقه أيضاً المستمرّ إلى الحقيقة والخير والجمال والعدالة والحبّ، هو ما راقبه المجمع الفاتيكاني الثاني، عندما وصف حالة الإنسان في عالم اليوم منطلقاً من حالته وشؤونه وقضاياه الخارجية إلى اكتشاف حقيقة الجنس البشري الباطنية: "ففي أعماق الإنسان تتصارع عوامل كثيرة إذ إنّه من جهة بوصفه مخلوقاً يدرك إنه محدود في الكثير من إمكانياته، ومن جهة أخرى، يشعر بأنّ رغباته لا حدّ لها، وبأنّه مدعو إلى حياة أسمى، فهو، بين هذه العوامل المتصارعة، مضطّر باستمرار إلى الاختيار بين هذا وذاك، والتخلّي عن هذا وذاك. والأسوأ من هذا كلّه إنّه كمخلوق ضعيف وخاطئ يفعل غالباً ما لا يريد ويحجم عن فعل ما يودّ أن يفعل وبالاختصار فهو يشكو انقساماً على نفسه وإلى هذا مردّ ما ينشب في المجتمع البشري من خلافات عديدة خطيرة" (95).
هذا الإنسان بالذات هو طريق الكنيسة الذي تكاد ترتكز عليه كلّ الطرق التي يجب أن تسلكها الكنيسة، لأنّ السيّد المسيح افتدى الإنسان، كلّ إنسان، دون استثناء، ولأنّ السيّد المسيح قد انضّم نوعاً ما إلى كلّ إنسان، دونما استثناء، ولو لم يعرف الإنسان ذلك. "إنّ المسيح الذي "مات وقام من أجل الجميع يهب الإنسان"، أيّ إنسان، وجميع الناس من "النور والقوّة ما يمكنه من أن يتجاوب مع دعوته السامية" (96).
ولما كان الإنسان إ ذن هو طريق الكنيسة وطريق حياتها وخبرتها اليومية، طريق جهادها وعملها، فمن الواجب أن تتجدّد كنيسة عصرنا دائماً وتقف على الحالة التي يعيش فيها الإنسان أي أن تطّلع على طاقاته التي تظهر وفقاً لما تتخذ دائماً من اتجاه جديد، وكذلك يجب على الكنيسة أن تتنبّه لما يهدّد الإنسان من أخطار وأن تعرف أيضاً كلّ ما يمنع "حياة الإنسان" من أن تصبح يوماً فيوماً "أكثر إنسانية" (97)، بحيث تتفق ومقوّمات الحياة وكرامة الإنسان الحقّ وعلى الجملة عليها أن تعرف كلّ ما يعرقل هذا السير.

 

الحواشي:


86) رسالة "كنيسته": م ك ر 56 (1965) ص. 609 – 659
87) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور رعوي في الكنيسة في عالم اليوم: فرح ورجاء 22: م ك ر 58 (1966) 1042
88) راجع يو 14 وما يتبع.
89) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور رعوي في الكنيسة في عالم اليوم: فرح و أمل: 91 م ك ر 58 (1966) 1113.
90) المحل عينه 38 ص. 1056
91) المحل عينه 76 ص. 1099
92) راجع تك 1، 27
93) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور رعوي في الكنيسة في عالم اليوم: فرح ورجاء 24 م ك ر 58 (1966) 1045.
94) تك 1، 28.
95) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور رعوي في الكنيسة في عالم اليوم: فرح ورجاء، 10: م ك ر، 58 (1966) 1032.
96) الموضع عينه، 10 ص. 1033.
97) الموضع عينه، 38 ص. 1056، بولس السادس، رسالة ترقّي الشعوب، 21: م ك ر 59 (1967) 267 – 268.

 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي