أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

    

نور الشرق                                                                                       orientale lumen

القسم الأول

التعرّفُ إلى الشرق المسيحيّ

اختبار إيمان

 

5- "إن من دقّق النظر في الحقيقة الموحى بها وجد أن المناهج والوسائل لمعرفة الأشياء الإلهية والتعبير عنها ليست واحدةً في الشرق وفي الغرب. ومن ثمَّ فليس بالعجب أن بعض نواحي السرّ الموحى به قد أدركها الواحد وعبَّر عنها أفضل من الآخر، بحيث يجب في الغالب اعتبار هذه الصيغ اللاهوتيّة المتنوّعة متكاملةً أكثر منها متعارضة" (10).

وفيما أكنُّ في قلبي الأسئلة والتطلّعات والاختبارات التي أشرت إليها، يتوجّه فكري إلى تراث الشرق المسيحي. إني لا أنوي أن أصفه ولا أن أفسّره: إنما أصغي إلى كنائس الشرق التي أعرف حقّ المعرفة أنها تعبّر تعبيراً حيّاً عن ثروة التقليد التي تحتفظ بها. وفيما أتأمل هذا التراث تبرز لناظريّ عناصر قيّمة تساعد على فهم الاختبار المسيحيّ فهماً أشمل وأدق، ومن ثمّ تساعد على إعطاء جوابٍ أوفى عن تطلّعات رجال ونساء اليوم. في الواقع، إن الشرق المسيحيّ يلعب دوراً فريداً ومميّزاً، بالنسبة إلى كلّ ثقافةٍ أخرى، بمقدار ما يشكل الإطار الأصيل للكنيسة الناشئة.

إن التقليد المسيحيّ الشرقيّ يفترض نوعاً من تقبّل الإيمان بالرب يسوع، وفهمه وعيشه. ومن هذا القبيل فإنه قريب الصلة بالتقليد المسيحيّ الغربي الذي يُولد هو أيضاً ويتغذّى من الإيمان عينه. ومع ذلك فإنه يتميّز عنه، بطريقة شرعيّة ورائعة، بقدر ما يتميّز المسيحيّ الشرقيّ في تحسّسه العلاقة مع المخلّص، وفهمه لها، وبالتالي إذن في أن يحياها بطريقة مبتكرة. وباحترام مفعم بالتأثر، أراني هنا قريباً من فعل السجود الذي تعبّر عنه تلك الكنائس، أكثر من أن أُفرد هذه أو تلك من النقاط اللاهوتية المعيّنة التي ظهرت، على مرّ العصور، بتناقض جَدَلي في الخلاف الناشب بين الغربيّين والشرقيّين.

منذ الأوائل، إتّخذ الشرق المسيحيُّ أشكالاً داخلية متنوّعة، واستبان قادراً على تبنيّ الخطوط الخاصّة بكل ثقافة مع احترامٍ عميقٍ لخصائص كل جماعة. فلا يسعُنا إلاّ أن نرفع الحمد إليه تعالى، مقروناً بعاطفة تأثرٍ شديد للتنوّع العجيب الذي به عرف الله أن يصنع، من حُجيرات مختلفة، فسيفساء هكذا جميلة ومتنوّعة.

6- هناك بعض مظاهر التقليد الروحي واللاهوتيّ المشتركة بين مختلف الكنائس الشرقية التي تبرز حساسيّتها بالنسبة إلى الأشكال التي اتّخذها إعلان الإنجيل في بلدان الغرب. ولقد اختصرها المجمع الفاتيكاني الثاني بما يلي:

"الكلّ يعرف بأي حبٍّ يحتفل المسيحيّون الشرقيّون بالليترجيّا المقدّسة، ولاسيّما الإفخارستيا التي هي للكنيسة معين حياة، وعربون المجد السماويّ. فبهذا يجد المؤمنون، متّحدين مع الأسقف، سبيلاً إلى الله الآب بابنه الكلمة المتجسّد، الذي مات ومُجِّد في إفاضة الروح القدس؛ فيدخلون على هذا النحو في شركة الثالوث الأقدس، ويصيرون "شركاء في الطبيعة الإلهيّة" (2 بط 1 / 4) (11).

في هذه الخطوط يرتسم التصوّر الشرقيّ للمسيحيّ الذي يسعى إلى المشاركة في الطبيعة الإلهية من خلال الشركة في سرّ الثالوث الأقدس. ففي ذلك ترتسم "وحدانيّة" الآب وصورة الخلاص، وفقاً للتدبير الإلهيّ، كما يقدّمها اللاهوت الشرقي على أثر القديس إيريناوس أسقف ليون، وكما توسّع في عرضها الآباء الكبّادوكيّون (12).

وتتحقّق المشاركة في الحياة الثالوثيّة من خلال الليترجيّا، وبصورة خاصّة، في الإفخارستيا، سرّ الشركة في جسد المسيح الممجَّد، وبذار الخلود (13). وفي التأليه، وبالأخصّ في الأسرار، يعطي اللاهوت الشرقيّ دوراًَ مميَّزاً للروح القدس: فبقدرة الروح الساكن في الإنسان يبدأ التأليه ونحن بعد على الأرض، والخليقة تتحوَّل، وملكوت الله يبتدئ.

إن تعليم الآباء الكبّادوكييّن عن التأليه قد انتقل إلى تقليد الكنائس الشرقيّة كلّها ويشكّل جزءاً من تراثها المشترك ويمكن اختصاره ذلك بالفكرة التي سبق القديس إيريناوس وعبّر عنها في القرن الثاني، إذ قال:

"بحيث إن ابن الله هذا قد أصبح ابن الإنسان، كي يصبح الإنسان بدوره ابن الله" (14).

ولسوف يبقى لاهوت التأليه هذا أحد التعاليم التي تبنّاها بشغفٍ كليّ الفكر المسيحيّ الشرقيّ (15).

والذين جعلتهم النعمة والتزام سبيل الخير "مشابهين تمام الشبه" للسيّد المسيح، وقد سبقونا في طريق التأليه، هم الشهداء والقديسون (16). ومن بينهم، تحتلُّ مكانة حظوةٍ خاصّة العذراء مريم التي منها خرج غصن جذع من يسّى (راجع أش 11 / 1). فهي ليست فقط صورةً للأمّ التي تنتظرنا بل الكليّة النقاوة التي، بتحقيقها العديد من رسوم العهد القديم، أصبحت أيقونة الكنيسة ورمزاً ومقدّمةً للخليقة التي جدّدتها النعمة، ومثالاً ورجاءً أكيداً لكلّ الذين يسارعون الخطى نحو أورشليم السماويّة (17).

فيما الشرق يشدّد على الواقع الثالوثيّ وإدخاله في الحياة الأسرارية، فهو يجمع الإيمان بوحدة الطبيعة الإلهية إلى طابع الذات الإلهية غير المدرك. ويؤكد الآباء الشرقيّون على الدوام أنه من غير الممكن أن نعرف من هو الله؛ فجلُّ ما نعرفه هو أنه الكائن، إذ إنه تجلّى في تاريخ الخلاص كأبٍ وابنٍ وروح قدس (18).

وهذا الشعور بالحقيقة الإلهية الفائقة الوصف ينعكس في الاحتفال الليترجي، حيث يُدرك معنى السرّ بقوّةٍ جميع مؤمني الشرق المسيحيّ.

"نجد في الشرق أيضاًَ كنوز تلك التقاليد الروحية التي تعبّر عنها الحياة الرهبانية بوجهٍ خاصّ. فهناك، منذ أيام الآباء القديسين المجيدة، قد ازدهر التصوّف الرهبانيّ الذي انتشر فيما بعد في الغرب، وأمسى، على وجه ما، مصدراً للتنظيم الرهبانيّ اللاتينيّ، وأولاه من بعدُ حيويّةً جديدة. لذلك يحرّض الكاثوليك بإلحاح على الولوج بتواتر على هذه الكنوز الروحية التي للآباء الشرقيّين، والتي ترتفع بالإنسان كلّه إلى مشاهدة الأسرار الإلهيّة" (19).

 

الإنجيل والكنيسة والثقافة

7- في مناسبات عديدة، أوضحت أن أولى القيم العظمى التي عاشها الشرق المسيحيّ بطريقة خاصّة تمثّلت في الاهتمام بالشعوب وبثقافاتهم كي تستطيع كلمة الله وتمجيده أن يعتلنا في كل الألسن. وتوقّفت عند هذا الموضوع في الرسالة الجامعة "رسولا السلافيّين"، حيث أشرت إلى أن كيرلس ومتوديوس "رغبا في أن يكونا مشابهين في كل شيء للذين جاؤوا إليهم بالإنجيل؛ أرادا أن يندمجا في هذه الشعوب ويقاسماهم كليّاً مصيرهم" (20)؛ "وكان ذلك أسلوباً جديداً في التعليم الديني" (21).

وبفعلهما هذا، كان الرسولان يعبّران عن موقفٍ شائع في الشرق المسيحيّ: "بتجسيد الإنجيل في الثقافة الأصيلة للشعوب التي كانا يبشّرانها، يعود الفضل إلى القديّسين كيرلس متوديوس في تكوين تلك الثقافة عينها، أو بالأحرى ثقافاتٍ عديدة، وفي تطويرها" (22). وفي شخصَيهما اتّحد الاحترام والتقدير للثقافات الخاصة بالشغف بشمولية الكنيسة التي عملا جاهدَين على تحقيقها. وما تصرّف الأخوين السالونيكيّين إلاّ دليل، في العصر القديم للمسيحية، إلى أسلوبٍ، في العديد من الكنائس، نموذجيّ: فالوحي يُعلن بطريقة مناسبة ويُجعل قريباً كل القرب للإدراك عندما يتكلم السيّد المسيح لغة الشعوب المختلفة، وعندما هؤلاء يستطيعون أن يقرأوا الكتاب المقدّس ويحتفلوا بالليترجيا في لغتهم مستخدمين تعابيرهم الخاصّة، ومجدّدين تقريباً معجزات العنصرة.

وفي زمن يعترف فيه اعترافاً أكثر فأكثر ثباتاً بحقّ كل شعب في التعبير وفاقاً لتراثه الثقافيّ والفكريّ، يستبين لنا اختبار كلٍّ من الكنائس الشرقيّة كمثالٍ للنجاح في التثقّف جديرٍ بالاهتمام.

ومن هذا المثال نتعلّم أنه إذا ما أردنا أن نتحاشى عن بروز خصوصيّات وقوميّات عنيفة ومتزمّتة، علينا أن ندرك أن التبشير بالإنجيل يجب، في الوقت نفسه، أن يتأصل عميقاً في خصوصية الثقافات وينفتح على التلاقي في شمولية هي تبادلٌ يهدف إلى الإغناء المشترك.

 

الحواشي:
10) "الحركة المسكونية" الرقم 17
11) المرجع نفسه، الرقم 15
12) راجع: s. Irénée, Adv. Haer., V, 36, 2 : SCh 153/2, 461 ; s. Basile, Traité sur l'Esprit Saint, XV, 36 : PG 32, 132 ; XVII, 43, l.c. 148 ; XVIII, 47, l.c. 153.
13) راجع: s. Grégoire de Nysse, Grande catéchèse, XXXVII : PG 45, 97.
14) راجع: Adv. Haer., III, 2 : SCh 211/2, 121 ; III, 18, 7 ; III, 19, 1 ; IV, 20, 4 ; SCh 100/2, 635 ; IV, 33, 4. Voir Préf. SCh 153/2, 15.
15) بانتمائهم إلى السيد المسيح، يقول نيقولا كابازيلاس، "يصبح البشر آلهة وأبناء الله... فالتراب يُرفع إلى درجة من المجد عالية حتى ليصبح من ثم مساوياً في الكرامة والألوهة للطبيعة الإلهية، Nicolas Cabasilas, La vie dans le Christ, I : PG 150, 505.
16) s. Jean Damascène, Traité sur les images, I, 19 : PG 94, 1249.
17) البابا يوحنا بولس الثاني، الرسالة "أم الفادي" (25 آذار 1987)، الأرقام 31 34؛ "الحركة المسكونية" ، الرقم 15
18) راجع: s. Irénée, Adv. haer., II, 28, 3-6 ; s. Grégoire de Nysse, Vie de Moïse : PG 44, 377 ; s. Grégoire de Nazianze, Sur la sainte Pâque, or. XLV, 3 et s. : PG 36, 625-630.
19) "الحركة المسكونية"، الرقم 15
20) الرقم 9. راجع: AAS 77 (1985), 789 – 790
21) المرجع نفسه، 11، 791
22) المرجع نفسه، 21، 802 – 803
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي