|
سرّ
التجسّد
Incarnationis mysterium
3- في هذه السنوات
التمهيدية المباشرة لليوبيل، وكما ذكرت في رسالتي إطلالة الألف
الثالث (7)،
تستعدّ الكنائس الخاصة، عن طريق الصلاة والكرازة والالتزام في مختلف
أشكال العمل الراعوي، لاستقبال هذا الموعد الذي يُدخل الكنيسة كلها في
حقبة جديدة من النعمة والرسالة. إن اقترب موعد هذا الحدث اليوبيلي
ليُثير، مع ذلك، اهتماماً متنامياً، لدى أولئك الذين يتوسّلون الإشارة
المؤاتية التي من شأنها أن تساعد في تَبيّن علامات حضور الله في زمننا
المعاصر.
لقد وُضعت
الاستعدادات لليوبيل تحت شعار الثالوث الأقدس: بواسطة المسيح – في
الروح القدس – إلى الآب. إن سرّ الثالوث الأقدس هو أساس طريق الإيمان
وغايته الأخيرة، حيثما ترنو أبصارنا إلى وجه الله إلى الأبد. إنّا، إذ
نحتفل بسرّ التجسّد، تشخص أبصارنا إلى سرّ الثالوث. إن يسوع الناصري،
الذي يكشف لنا حقيقة الآب، حمل الرغبة الكامنة في قلب كل إنسان إلى
كمالها في معرفة الله. فظهر من خلال وحي المسيح ظهوراً نهائياً كلُّ ما
كانت الخليقة تحفظه مختوماً فيها بختم يد الله المبدعة، وكلّ ما كان
الأنبياء الأقدمون قد وعدوا به
(8).
إن يسوع
يُظهر وجه الله الأب، "الرحمان الرحيم" (يعقوب 5 : 11) ويُعلّم، بمجيء
الروح القدس، سرّ محبة الثالوث. إن روح المسيح هو الذي يعمل في الكنيسة
وفي التاريخ؛ وينبغي الإصغاء إلى صوته للتعرّف إلى علامات الأزمنة
الجديدة، وإبقاء شعلة انتظاره المجيد متأججّة في قلوب المؤمنين.
لذلك ينبغي
أن تكون السنة المقدسّة نشيداً فريداً، متواصلاً، تسبيحاً للثالوث،
الله العلّي. وهنا تأتي كلمات القديس غريغوريوس النزينسي اللاهوتي
لتغدق على التعبير طابعاً شعرياً:
"المجد لله
الآب، وللابن، ملك الكون. المجد للروح القدس، الذي له يليق التسبيح،
والقدوس كلّه. الثالوث إلهٌ واحد، خلق وملأ كل شيء: السماء وما فيها من
كائنات سماويّة والأرض وما عليها من كائنات أرضيّة. والبحر والأنهار
والينابيع، ملأها كائناتٍ مائيّة، وأحيا كلّ شيء بروحه، لتسبّح كل
خليقة خالقها الحكيم، علّةً وحيدةً للحياة والزمن. وليُسبّح المخلوق
العاقل، أكثر من أي مخلوق آخر، تسبيحاً متواصلاً، للملك العظيم والآب
الكلّي الرحمة" (9).
4- حبّذا أن يرنّم
هذا النشيد، تسبيحاً للثالوث وتمجيداً لتجسّد الابن، كل من اقتبل
العماد، وشارك في الإيمان الواحد بيسوع الرب. وليكن الطابع المسكوني
الذي يرتديه هذا اليوبيل علامةً ملموسة للطريق الذي يسير عليه، في
السنوات الأخيرة بخاصة، أبناء مختلف الكنائس والجماعات الكنسية. إن
الإصغاء إلى الروح القدس هو ما يجب أن يتيح لنا إظهار نعمة التبني
الإلهي التي نلناها بالعماد إظهاراً صريحاً في الشركة الكاملة، لأنّا
جميعاً أبناء أب واحد. ما زال الرسول يكرّر مناشداً أيانا نحن اليوم
أيضاً: "فهناك جسد واحد وروح واحد، كما أنكم دُعيتم دعوةً رجاؤها واحد.
وهناك ربٌ واحد، وإيمان واحد، ومعموديّة واحدة، وإله واحد، أب لجميع
الخلق، وفوقهم جميعاً، يعمل فيهم جميعاً، وهو فيهم جميعاً" (أفسس 4 : 4
– 6). أستعين بكلمات القديس أيريناوس لأقول بأنه لا يسعنا أن نقدّم
صورة ناقصة عن العالم وكأنه أرض قاحلة، من بعد أن تلقّينا كلمة الله،
كالمطر الهاطل من السماء. ولن يكون بوسعنا أن ندّعي بأننا أصبحنا خبزاً
واحداً، إذا كنّا نمنع الطحين من أن يصبح عجيناً بالماء الذي سُكب فينا
(10).
كل سنة
يوبيلية هي بمثابة الدعوة للاحتفال بعرس. نهبّ جميعاً، من مختلف
الكنائس والجماعات الكنسية المنتشرة في العالم، للمشاركة بالعيد الذي
يعدّ له. نقدّم فيه ما يجمعنا، وأنظارنا الشاخصة إلى المسيح تتيح لنا
النموّ في الوحدة التي هي ثمرة الروح. وبصفتي خليفة بطرس، فإن أسقف
روما هو هنا ليدعم الدعوة إلى الاحتفال اليوبيلي، لكي يتم إحياء هذه
الذكرى الألفية الثانية لسرّ الإيمان المسيحي المحوري على إنها طريق
المصالحة وعلامة الرجاء الخالص، بالنسبة للذين يتطلعون إلى المسيح
وكنيسته، وهي سرّ "الاتحاد الحميم بالله، ووحدة كل الجنس البشري"
(11).
5- إلى كما صفحة من
التاريخ تعود بنا الذاكرة في هذا الاستحقاق اليوبيلي! تحملنا الذاكرة
إلى سنة 1300، عندما افتتح البابا بونيفاسيوس الثامن رسمياً أول يوبيل
في التاريخ، تلبيةً لرغبة شعب روما بكامله. وقد أراد في تلك المناسبة
أن يمنح "غفراناً" كاملاً عن جميع الخطايا، لا غفراناً وافراً وحسب،
وذلك جرياً على تقليد قديم كان يمنح بموجبه "تكفيرات وغفرانات وافرة عن
الخطايا" للذين كانوا يزورون كنيسة القديس بطرس في المدينة الخالدة
(12).
ومنذ ذلك الحين، دأبت الكنيسة على الاحتفال باليوبيل، على أنه محط ترمز
إلى مسيرتها نحو الكمال في المسيح.
يبيّن لنا
التاريخ بأي اندفاع كان شعب الله يحيي السنوات المقدّسة التي كان يرى
فيها مناسبة للاصغاء إلى دعوة يسوع المسيح للتوبة العميقة. لا تخلو هذه
المسيرة من المغالاة وسوء الفهم، ولكنّ شهادات الإيمان الأصيل و المحبة
الصادقة تفوق كل ذلك. ولنا على ذلك مثال في شخص فيليب دي نيري الذي
أنشأ، عام 1550، مؤسسة "المحبة الرومانية"، دليلاً ملموساً على استضافة
الحجّاج. يمكن أن يُكتب تاريخ طويل من القداسة، انطلاقاً من ممارسة
اليوبيل، تحديداًُ، ومن ثمار التوبة التي أتت بها نعمة المسامحة في
قلوب الكثير من المؤمنين.
الحواشي:
7) راجع الفقرات
39 – 54: أعمال الكرسي الرسولي 87 (1995)، ص 31 – 37؛ الوثائق
الكاثوليكية 91 (1994)، ص 1028 – 1030.
8) راجع المجمع
المسكوني الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي، في الوحي الإلهي، كلمة
الله، الفقرة
2،
4.
9) قصائد
عقائدية، 31، أناشيد أخرى، الآباء اليونان، 37، 510 – 511.
10) رد على
الهراطقة، 3، 17: الآباء اليونان 7، 930؛ المصادر المسيحيّة 211، صفحة
333.
11) المجمع
الفاتيكاني الثاني، دستور راعوي، في الكنيسة، نور الأمم،
الفقرة 1.
12) البراءة،
Antiquorum habet، 22 شباط 1300: Bullarium Romanum III/2, p. 94
|