|
انجيل الحياة
Evangelium vitae
الاحتفال بإنجيل الحياة هو الاحتفال بإله
الحياة
84-
"يجب أن
نحتفل بالحياة الأبدية مصدر كل شكل آخر من أشكال الحياة. منها يتلقّى
الحياة كل كائن يشارك، بطريقة ما، في الحياة بمقدار طاقاته. هذه الحياة
الإلهية الأسمى من كل شكل من أشكال الحياة وتحفظها. كل شكل من أشكال
الحياة وكل حركة حياة تنبعان من هذه الحياة التي تفوق حياتنا وكل مبدأ
حياة. منها تستمد النفوس خلودها وبها أيضاً تحيا الحيوانات كلها
والنبات ومنها تقتبس أصغر شرارة. وأمّا الناس المصنوعون من روح ومادة،
فالحياة تعطيهم الحياة. وإذا اتفق لنا أن نتخلّى عنها، فالحياة تثيبنا
وتردّنا إليها بفيض حبها للبشر، لا بل تَعِدُنا بأن تقودنا، أجساداً
ونفوساً، إلى الحياة الكاملة وإلى الخلود. هذه الحياة قليلٌ أن نقول
فيها: إنها حيَّة! إنها مبدأ حياة، سبب الحياة ونبعها الوحيد. كل كائن
حيّ عليه أن يتأملها ويسبّحها: إنها الحياة التي تُفيض الحياة بغزارة"
(109).
نحن أيضاً،
في الصلاة اليومية الفرديّة والجماعية، نسبّح مثل صاحب
المزامير، ونبارك الله أبانا الذي نَسَجَنا من جوف أمهاتنا ورأتنا
عيناه أجنَّة (مز 138 / 13، 15- 16)، ونتهلّل ونفيض فرحاً قائلين:
"نعترف لك لأنك أعجزتَ فأدهشْت. إنما أعمالك معجزات" (مز 138
/ 14).
نعم، "هذه الحياة الفانية، بالرغم من مضايقها وغوامضها وآلامها
وهشاشتها المحتومة، هي حقيقة مذهلة ومعجزة متجدّدة ومؤثّرة وحدثٌ جدير
بأن نسبحه ونمجّده متهلّلين"
(110). هذا ولا يبدو
لنا الإنسان وحياته رائعةً من أعظم روائع الخلق وحسب: بل منحه الله
كرامة شبة إلهية (مز8 / 6-7). ففي كل طفل يولد وفي كل إنسان يحيا أو
يموت، نكتشف صورة مجد الله: هذا المجد نحتفل به في كل إنسان، آية الله
الحي وأيقونة يسوع المسيح.
نحن
مدعوّون إلى الإعراب عن إعجابنا وشكرنا للحياة التي تلقيناها عطيّة،
إلى تقبل إنجيل الحياة وتقديره وإيصاله لا في الصلاة الشخصية
والجماعية وحسب بل في الاحتفال بالسنة الليترجية خصوصاً. ولا
بدّ من أن نذكر هنا خصوصاً الأسرار وهي علامات فاعلة لحضور الرب
يسوع في حياة المسيحي وعمله الخلاصي: إنها تصيِّر الناس شركاء الحياة
الإلهية بما توفّره لهم من قوّة روحية لا بدّ منها ليدركوا، في ملء
الحقيقة، معنى الحياة والعذاب والموت. الاحتفالات الليترجية، وبخاصة
الاحتفالات بالأسرار، إذا اكتشفنا حقيقة مغزى طقوسها، وقدّرناها حقّ
قدرها، فهي قادرة على أن تعبّر أكثر فأكثر عن ملء الحقيقة في شأن
الحياة والعذاب والموت وتساعدنا في أن نعيشها بالاشتراك في سرّ المسيح
الفصحي الذي مات وقام.
85- عندما نحتفل
بإنجيل الحياة، علينا أن نقدِّر ونبرز أيضاً الطقوس والرموز
التي تحفل بها التقاليد والأعراف الثقافية والشعبية على أنواعها.
إنها أوقات لقاء وأشكال لقاء يتجلّى فيها، عبر البلاد والثقافات، فرح
الحياة المتفتحة، واحترام كل حياة بشرية وحمايتها، والاهتمام بالمعذّب
والمحتاج، ومرافقة المُسِنّ والمدنف، والمشاركة في أسى المحزونين ورجاء
الخلود والتشوّق إليه.
في هذا
الصدد، وبالموافقة على فكرة الكرادلة الملتئمين في مجمع 1991، أقترح أن
يُحتَفَل كل سنة في مختلف بلدان العالم، "بيوم الحياة" كما بدأ يتحقق
ذلك بمبادرة بعض المجالس الأسقفية. ويجب أن يُهيَّأ هذا "اليوم"
ويُحتفل به بمشاركة جميع عناصر الكنيسة المحليّة، ومساهمتها الناشطة.
والهدف الأساسي من إقامة هذا "اليوم" أن يتغلغل في الضمائر والعِيل، في
الكنيسة في المجتمع، الاعتراف بمعنى الحياة البشرية وقيمتها، في كل
مراحلها وف كل ظروفها، مع لفت الانتباه خصوصاً إلى خطورة الإجهاض
والقتل الرحيم، ولكن من دون أن نتجاهل بقية صروف الحياة ووجوهها التي
تستحق أن نتنبّه لها في أوضاعها الخاصة، بمقتضى ما يُوحيه تطوّر كل وضع
على حدة.
86- في روح
العبادة الروحية المَرْضيَّة عند الله (روم12 / 1)، يجب أن يتم الاحتفال
بإنجيل الحياة خصوصاً في الواقع اليومي، في محبة القريب
وبذل الذات. هكذا يصبح وجودنا كله انفتاحاً على الحياة حقيقياً
ومسؤولاً، وتسبيحاً خالصاً وشكراً لله الذي أكرمنا بهذه الهدية. وهذا
ما يتحقق في كثير من التقادم المتواضعة والخفيّة يقوم بها رجال ونساء،
أطفال وبالغون، شبّان وشيوخ، مرضى وأصحاء.
هذه
القرائن الغنية بالإنسانية والمحبّة هي مَنْبَت البطولات، التي بها يتم
الاحتفال بأبّهةٍ بإنجيل الحياة، لأنها تُعلن هذا الإنجيل
ببذل الذات تضحيةً كاملة، وبها تتجلّى المحبة في أسمى بهائها وأسمى
ذروتها: وهي بذل الذات في سبيل من نحبّ (يو15 / 13). إنها الاشتراك في
سر الصليب الذي به أظهر يسوع أي ثمن تقتضيه، في نظره حياة كل إنسان،
وكيف تكمُل هذه الحياة ببذل الذات بذلاً كاملاً. إلى جانب الأعمال
الخارقة، هناك البطولة اليومية القائمة على أعمال صغيرة أو كبيرة من
المشاركة تُثري الحياة في وجهها الحضاري الصحيح. من هذه الأعمال لا بدّ
من أن نذكر خصوصاً التبرّع بالأعضاء. هذا التبرع، إذا تم بمقتضى
القواعد الأخلاقية، يتيح للمرضى اليائسين أحياناً من الشفاء، فرصةً
جديدة لاستعادة الصحة بل الحياة.
هذه
البطولة اليومية يدخل في حسابها الشهادة الصامتة – وما أخصبها وأبلغها!
– شهادة "جميع الأمهات الجريئات اللواتي يكرّسن ذواتهن بلا حدود
لعيالهّنَّ ويتعذبْن عندما ينْجِبْنَ الأولاد ويتحمَّلن كل الأتعاب
ويواجهْنَ كل التضحيات ليورثْنَهم أجمل ما عندهنَّ "(111).
هؤلاء "الأمهات البطلات لا يلقَيْن دائماً، في القيام برسالتهن، سنداً
في محيطهن، وبالعكس، فإن نماذج الحضارة المعاصرة التي تدعمها وتنشرها
وسائل الاتصال الاجتماعي لا تشجّع الأمومة. فباسم التقدّم والحداثة
تُعلَن فضائلُ الأمانة والعفّة والتضحية التي مارسها ولا يزال يمارسها
جمهور من الزوجات والأمهات المسيحيات قيماً قد عفى عليها الزمن [.....]
إننا نشكر لكُنَّ، أيها الأمهات البطلات، حُبَّكن المظفّر! أشكر لكُنَّ
ثقتكن المقدامة بالله وبمحبته. نشكر لَكُنَّ التضحية بحياتكن [......]
إن المسيح، في سرّه الفصحي، يعيد إليكُنَّ العطية التي قدّمْتُنَّها.
فهو قادرٌ أن يعيد إليكُنَّ الحياة التي قدّمْتُنَّها له قرباناً"
(112).
"ماذا
ينفع الإنسان، يا إخوتي، أن يدّعي الإيمان بلا أعمال؟" (يع2 / 14): خدمة
إنجيل الحياة
87- بحكم المشاركة
في وظيفة المسيح الملكية، علينا أن ندعم ونعزّز الحياة البشرية، عن
طريق خدمة المحبة. هذه الخدمة تترجمها شهادة السيرة الشخصية ومختلف
أنماط التطوّع المجاني والإنعاش الاجتماعي والالتزام السياسي. ونجدنا
هنا بإزاء ضرورة ملحّة جداً في الوقت الحاضر، حي "حضارة الموت"
هي في تجابه عنيف مع "حضارة الحياة" وكأنها هي الغالبة! ولكن، قبل هذان
نحن بإزاء ضرورة نابعة من "الإيمان العامل بالمحبة" (غل 5 / 6)، على حد
ما جاء في رسالة يعقوب: "ماذا ينفع الإنسان، يا إخوتي، أن يدَّعي
الإيمان بلا أعمال؟ أبوسع الإيمان أن يخلِّصه؟ فلو كان فيكم أخ عريان
أو أخت عريانة ليس لهما قوت يومهما، وقال لهما أحدكم: "اذهبا بسلام
فاستدفئا واشبعا، ولم تُعطوهما شيئاً مما يحتاج إليه الجسد، فماذا ينفع
قولكما؟ وكذلك الإيمان فإن لم يقترن بالأعمال صار ميتاً في حد ذاته"
(يع2 / 14- 17).
خدمة
المحبة تفترض حالة ذهنية يجب أن تنعشنا وتميّزنا:
علينا أن نعتني بالآخر بصفته إنساناً وَكَلَهُ الله إلى مسؤوليتنا. نحن
مدعوّون، بصفتنا تلاميذ يسوع، إلى أن نكون "أقرباء" كل إنسان (لو10
/
29- 37)، مع إيثار ملحوظ للأكثر فقراً وعزلة وحاجة. عندما نُسعِف
الجائع والعطشان والغريب والعريان والمريض والسجين – وكذلك الطفل
المشرف على الولادة والمريض المعذب والمشرف على الموت – فإنما نُسعِف
يسوع كما صرّح بذلك نفسه: "كلّما صنعتم شيئاً من ذلك لواحدْ من إخوتي
هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه" (متى 25 / 40). ولذا لا نستطيع أن نحسب
أنفسنا مُفلتين من نداء وقضاء كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم التي لا
يزال وقعها قائماً حتى اليوم: "أتودّ أن تكرّم جسد المسيح؟ لا تحتقره
إذا وجدته عارياً. لا تكرمه هنا، في الكنيسة، بأقمشةٍ من حرير، في حين
تدعه خارجاً يقرص من البرد والعري"
(113).
خدمة
المحبة تجاه الحياة، يجب أن تتناغم تناغماً عميقاً:
فليس من المسموح أن تأتي هذه الخدمة على شيء من التحيّز والتفريق، لأن
الحياة البشرية مقدسة وحصينة في كل مراحلها وأوضاعها: إنها من الخيور
التي لا تتجزأ. فعلينا إذن أن نُعنَى بكل الحياة وحياة الكل، بل
ألأولى أن نتوغّل إلى أعمق ن ذلك لنبلغ إلى جذور الحياة والحب.
فمن منطلق
حب عميق يشمل كل رجل وكل امرأة، تكوّنت، عبر القرون، حكاية حب عجيبة
أدخلت على الحياة الكنسيّة والمدنيّة مؤسسات في خدمة الحياة تثير إعجاب
كل مراقب نزيه. هذه الحكاية يجب على كل جماعة مسيحية أن تواصل تدوينها
عبر عمل راعوي واجتماعي متنوّع وبروح مسؤولية متجددة. ولهذه الغاية يجب
أن نستعمل، في مرافقة الحياة الطالعة، أنماطاً واعية وناشطة، وأن نكون
إلى جانب الأمهات اللواتي لا يُحجمن عن إنجاب ولد وتحمُّل أعباء
تربيته، حتى بمعزل عن مساعدة الأب. ويجب أن نعنى كذلك بالحياة المهمّشة
أو المعذّبة ولا سيما في مراحلها الأخيرة.
88- كل هذا يستدعي
عملاً تربوياً صبوراً وشجاعاً يحمل كل إنسان على النهوض بأعباء
الآخرين (غل6 / 2)، وهذا يتطلب دعم التطوّعات للخدمة ومساندتها
المستمرة، ولا سيما في صفوف الشبيبة، كما يفترض إقامة مبادرات
ومشاريع محددة وثابتة ومستوحاة من الإنجيل.
ثمة وسائل
كثيرة يمكن استثمارها بمهارة وجدّية في التزام شؤون الحياة الطالعة. لا
بدّ من تشجيع مراكز تنظيم النسل بالوسائل الطبيعية واعتبارها
سنداً راسخاً للأبوّة المسؤولة والأمومة المسؤولة، فيؤول ذلك إلى
الاعتراف بكل إنسان، ابتداءً من الولد، واحترامه في حدّ ذاته، ويصبح كل
خيار معلّلاً وموجّهاً وموزوناً بميزان العطاء وبذل الذات الكامل. هناك
أيضاً مستشارو الأزواج والعيل الذين يقومون بعمل مميّز في نطاق
المشورة والوقاية، في ضوء انتروبولجية تتناغم والرؤية المسيحية إلى
الشخص والأسرة والجنس، وبإمكانهم أن يؤدوا مساعدة قيّمة في اكتشاف معنى
الحب والحياة، ويساندوا ويرافقوا كل أسرة في رسالتها وصفتها "معبدا
للحياة". مراكز دعم الحياة ومراكز استقبال الحياة ودُورُها هي
أيضاً في خدمة الحياة البازغة. بفضل نشاط هذه المراكز استطاع أزواج
معذّبون كثيرون وأمهات عازبات كثيرات أن يكتشفوا ثانية دواعي حياة
وقناعات وأن يحظوا بعون ودعم ليتغلّبوا على مصاعبهم ومخاوفهم بإزاء
حياة منتظرة عن قريب أو دخلت العالم منذ قليل.
في مواجهة
أوضاع مُربكة وحالات انحراف أو مرض أو تهمّش تقوم مؤسسات أخرى: منها
جماعات تأهيل المدمنين وجماعات استقبال القُصَّر ومرضى العقل ومراكز
العناية بمرض السيدا وجمعيات التضامن وبخاصة للمعاقين. هذه
المؤسسات هي تعبير بليغ لما تستطيع المحبة أن تستنبطه لتعطي كل إنسان
دواعي جديدة للرجاء وإمكانات راهنة للعيش.
وأخيراً،
عندما تُشرف الحياة البشرية على نهايتها، على المحبة أيضاً أن تجد
الطرق المناسبة ليتمكَّن المُسنّون وبخاصة العجزة، والمرضى في طورهم
الأخير، من الاستفادة من مساعدة بشرية حقيقية، وتلقّي الأجوبة التي
تُلبّي حاجاتهم ولا سيما ما يتعلق بمخاوفهم وعزلتهم. في هذه الأحوال،
ما من شيء يمكن أن يحلّ محلّ الأسرة، ولكن الأسرة تستطيع أن تلقى عوناً
في مؤسسات الغوث الاجتماعية، وإذا دعت الضرورة، في العلاجات المخففة،
والاستغاثة بالأجهزة الصحية والاجتماعية المناسبة التي تقوم بنشاطها في
مراكز إقامة أو في مراكز عناية عامة أو منزلية.
ويجب إعادة
النظر خصوصاً في المستشفيات والعيادات ودُور العناية: فهوّيتها
الحقيقية لا تنحصر في كونها مؤسسات تُعنى بالمرضى المُشرفين على الموت،
بل في كونها أولاً أمكنةً حيث الألم والعذاب والموت تُفهم وتُفسَّر في
معناها البشري الأصيل والمسيحي المميّز. وبطريقة خاصة يجب أن تتجلّى
هذه الهوية صراحة وفعلاً في المؤسسات التابعة للرهبان والراهبات،
والمرتبطة بطريقة ما بالكنيسة.
الحواشي:
109) ديونيسيوس الأريوباجي المزعوم، في
الأسماء الحسنى، 6، 1- 3، الآباء اليونان 3، ص 856- 857.
110) بولس
السادس، خواطر في الموت، معهد بولس السادس بريشيا 1988 ص 24.
111) يوحنا
بولس الثاني، عظة في تطويب إيسيدور باكنجا، إليزبتا كانوري مورا وجانا
بريتا مولاّ (24 نيسان 1994): الأسيرفاتوري رومانو 25- 26 نيسان 1194،
ص 5.
112) المرجع
نفسه.
113) مواعظ في
إنجيل القديس متى، 50، 3: الآباء اليونان 58، 508.
|