|
انجيل الحياة
Evangelium vitae
4- ومن دواعي
الأسف أن هذه اللوحة المقلقة لا نراها تنحسر، بل نراها آخذة في
الاتساع: فمع ما نلحظه من آفاق جديدة، ناجمة من التقدم العلمي والتقني،
نرى أشكالاً جديدة من التعرّض لكرامة الإنسان. وفي الوقت نفسه ترتسم
وتتكوّن حالة حضاريّة جديدة تضفي على الجرائم التي تستهدف الحياة وجهاً
مستحدثاً وأكثر إغراقاً في الظلم – إن أمكن – وفي ذلك ما يبعث في النفس
هموماً أخرى خطيرة: فثمة طبقات واسعة في الرأي العام تبرّر بعض الجرائم
ضدّ الحياة باسم حقوق الحريّة الفرديّة، وتنطلق من هذه الأرضيّة لتطالب
لا بالتبرئة وحسب بل بموافقة الدولة لتمارسها في حريّة مطلقة وبدعم
مجاني من قِبَل الخدمات الصحيّة.
هذا كلّه يحد انقلاباً عميقاً في النظرة إلى الحياة والعلاقات بين
الناس. فالتشريعات، في عدد كبير من البلدان، تنأى أحياناً عن المبادئ
التي ترتكز عليها دساتيرها. فلا تكتفي بحجب العقوبة عن مستحقيها بل
تقدم على الاعتراف بقانونية الممارسات ضد الحياة وشرعيتها الكاملة. هذا
كلّه يشكل ظاهرة مُمِضَّة وسبباً لا يستهان به يؤدي إلى انهيار أدبي
جسيم: ثمة خيارات كانت تُحسَب، في الأمس، جرائم يأباها الحسّ الأدبي
العام، تصبح اليوم، في نظر المجتمع، جديرة بالاحترام شيئاً فشيئاً.
وحتى الطب نفسه، المدعوّ إلى حماية الحياة البشريّة والعناية بها،
ينساق أكثر فأكثر، في بعض القطاعات، إلى ارتكاب هذه الأفعال التي
تستهدف الإنسان. وهو، بذلك، يشوّه صفحته ويناقض ذاته ويجرح كرامة الذين
يمارسونه. في مثل هذه القرائن الثقافية والقانونية تمسي المعضلات
الديموغرافية والاجتماعية والعيليّة الشائكة، التي تضغط على كثير من
شعوب الأرض وتفرض تنبّهاً مسؤولاً وناشطاً على الجماعات الوطنية
والدولية، معرّضةً لأن توجَد لها حلول زائفة وواهمة تناقض الحقيقة
وتعارض خير الأفراد والشعوب.
إنها لمأساويّة النتيجة التي نفضي إليها: فلئن كان من الخطورة ودواعي
القلق بمكان أن نلحظ الإجهاز على الآلاف من البشر البادئين في طريق
الحياة أو المشرفين على نهايتها، فإنه ليس بأقلِّ خطراً ومدعاة إلى
القلق أن نرى الضمير ذاته في شبه عماية من جراء خضوعه لمثل هذه
التحوّلات العميقة وفي عجز متزايد عن التمييز بين الخير والشر في
القضايا المتعلقة بالحياة البشريّة وقيمتها الأساسية.
في الشركة مع جميع أساقفة العالم
5- معضلة الأخطار المحدقة بالحياة البشرية
في عصرنا كانت موضوع المجمع الاستثنائي للكرادلة الذي التأم في روما من
4 إلى 7 نيسان 1991. بعد بحثٍ مستفيض ومعمَّق في المعضلة وفي التحديّات
التي باتت تستهدف الأسرة البشرية برمَّتها وبخاصة الجماعة المسيحية،
طلب مني مجمع الكرادلة، باقتراع إجماعي، أن أؤكد ثانية، بسلطة خليفة
بطرس، قيمة الحياة البشرية وحصانتها، في مواجهة الظروف الراهنة
والتعديّات التي تهدِّدها اليوم.
لقد رحّبتُ بهذا الطلب، وفي عيد العنصرة من سنة 1991 وجّهت رسالة شخصية
إلى كلٍّ من إخوتي في الأسقفية ليوافوني، في روح الجماعيّة الأسقفية،
بقسطهم من التعاون لوضع وثيقة في هذه المسألة(6).
وإني أشكر عميق الشكر لجميع الأساقفة أنهم استجابوا لطلبي وزوَّدوني
بمعلومات وإيحاءات واقتراحات نفيسة. وبهذه الطريقة أيضاً أدّوا لي
برهان مساهمتهم، بإجماع وصدق، في الرسالة التعليمية والرعوية التي
تضطلع بها الكنيسة في قضية إنجيل الحياة.
في هذه الرسالة ذاتها، وقُبَيلَ الاحتفال باليوبيل المئوي للرسالة
العامة في "الشؤون الحديثة"، لفتُّ انتباه الجميع إلى هذا الشبه
الغريب: "كما أن الطبقة العمَّالية، منذ قرن، كانت هي المغموطة حقوقُها
الأساسية، فتولَّت الكنيسة الدفاع عنها بكير من الجرأة وجاهرت بما
يتمتع به العامل من حقوق مقدّسة، كذلك الآن، ونحن بإزاء فئة أخرى من
الناس يُنتهك ما لها من حقّ أساسي على الحياة، تشعر الكنيسة بأن عليها
أن تتسلح بنفس الجرأة وتعطي صوتاً لمن لا صوت له. إنها تستعيد دوماً
صرخة الإنجيل في الدفاع عن بؤساء هذا العالم والمهدَّدين والمحتقرين
والمحرومين حقوقهم الإنسانية"
(7).
نحن نلحظ اليوم جمهوراً من الضعفاء والعزَّل المجحود حقُّهم الأساسي في
الحياة، ومنهم خصوصاً الأولاد الموشكون أن يولدوا. فإذا كانت الكنيسة،
في نهاية القرن السابق، لم يحقَّ لها أن تصمت عن المظالم القائمة
آنذاك، فلا يحق لها اليوم أيضاً أن تصمت، وقد انضافت في غير جزءٍ من
أجزاء العالم، إلى المظالم الاجتماعية السالفة التي لم تلقَ لها حلاً –
حتى اليوم – مظالم وضغوط أشد خطراً، تُعتبر وسائل تقدم لإقامة نظام
عمالي جديد؟
هذه الرسالة، وهي ثمرة تعاون الأساقفة في كل بلدان العالم، تود أن تكون
تأكيداً مكرَّراً واضحاً وحازماً لقيمة الحياة البشرية وحصانتها، وفي
الوقت نفسه، دعوةً لاهبة موجَّهة إلى الجميع وإلى كل فرد، باسم الله،
أن: احترمْ وصُنْ وأحبِبْ واخدُمْ الحياة، وكل حياة بشرية! فعلى هذا
الدرب فقط تلقى العدل والنموَ والحريّة الحقيقية والسلام والسعادة!
عسى أن تبلغ هذه الكلمات إلى كل أبناء وكل بنات الكنيسة! عساها أن تبلغ
إلى الطيّبين الحريصين على خير كل رجلٍ وكل امرأة وعلى مصير المجتمع
بأسره.
6- بعميق
المشاركة مع كلٍ من إخوتي وأخواتي في الإيمان، وبدافع صداقة خالصة
للجميع، أودّ أن أعود إلى "التمعن في إنجيل الحياة وأبشّر به سنىً"
للحقيقة ينير الضمائر ونوراً ساطعاً يشفي الأبصار المظلمة، وينبوعاً لا
ينضب من الثبات والشجاعة في مواجهة ما يعترضنا من تحديّات مستمرة.
وبينما أثوب بالفكر إلى الخبرات الثريّة التي عشناها خلال سنة العيلة،
وبمثابة نتيجة للرسالة التي وجّهتها إلى "كل عيلة في كل أقطار الأرض"
(8)، أرفع نظري، بثقة متجدّدة، إلى جميع العيل،
متمنيّاً أن ينبعث ويتقوى، على جميع الأصعدة، تصميم الجميع على أن
يدعموا العيلة لتستمرّ اليوم أيضاً – وسط مصاعب كثيرة وأخطار باهظة –
وفيّة لقصد الله بان تكون "هيكلاً للحياة"
(9).
إلى جميع أعضاء الكنيسة، وهم شعب الحياة المتجنّد للحياة، أوجّه ألحَّ
نداءاتي لكي نتمكن معاً من أن نزوّد عالمنا بآيات جديدة للرجاء، باذلين
جهدنا لإنماء العدالة والتضامن، وتدعيم حضارة جديدة للحياة البشرية
وبناء مدنيّة صحيحة للحقيقة والحب.
الحواشي:
6) رسالة إلى
إخوتي في الأسقفية في "إنجيل الحياة" (19 أيار 1991)، تعاليم 14، 1
(1991) ص 1293- 1296.
7) المرجع نفسه،
ص 1294.
8)
رسالة إلى
الأسر (2 شباط 1994) فقرة 4، أعمال الكرسي الرسولي 86 (1994)، ص 871.
9)
يوحنا بولس
الثاني، "السنة المئة" ( 1 أيار 1991) فقرة 39: أعمال الكرسي الرسولي
83، ص 842.
|