أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق كنسيّة

إقرأ الرسالة باللغة اللاتينية | الإنكليزية | الفرنسية | الإيطالية | الإسبانية | الألمانية

    

إلى جميع شبان العالم                                                                                Dilecti amici
 

 الشباب غنى فريد
3- إنّا نبدأ بما ورد في نهاية النصّ الإنجيلي: مضى الشابّ حزيناً "لأنه كان ذا مال كثير". لا شك في أن هذا الكلام يدور على خيور مادّية كان الشاب يملكها أو كان قد ورثها. وقد يكون هذا الوضع خاصّاً ببعض الشبّان، ولكنّه ليس وضعاً عامّاً. ولهذا توحي كلمات الإنجيليّ بطرح المسألة طرحاً مختلفاً: والمسألة هي هذه: إنّ الشباب بحدّ ذاته (بقطع النظر عن الخير المادي) هو كنز فريد من الغنى للرجل والصبيّ أو الأبنة، وغالباً ما يستخدمه الشبّان في حياتهم، ككنز خاصّ بهم؛ غالباً، لكن ليس دائماً ولا باستمرار لأن العالم لا ينقصه رجال لا يختبرون، لأسباب مختلفة شبابهم اختبارهم لكنز. وهذا ما سنتكلّم عنه فيما بعد.
لكنّ هناك أسباباً – وحتى موضوعيّة بطبيعتها – تحملنا على التفكير بالشباب تفكيرنا بكنز فريد، يختبره الإنسان في هذه الفترة من حياته. وهي فترة تتميّز دونما شك عن عهد الطفولة (وهي في الواقع خروج من سني الطفولة)، مثلما تتميّز أيضاً عن فترة النضج والكهولة. إن زمن الشباب هو الزمن الذي يكتشف فيه، بطريقة خاصّة عميقة، "الأنا" البشريّ وما يواكبه من صفات وطاقات.
وعندما نراقب شخصية أحد الفتيان أو إحدى الفتيات تتطوّر وتنمو من الداخل، نكتشف شيئاً فشيئاً وتدريجياً القوة "القادرة" الخاصّة بإنسانيّة ملموسة ونوعاً ما فريدة يندرج فيها مشروع الحياة المستقبلية. وتبدو الحياة كأنّها تحقيق لهذا المشروع "كأنها تحقيق الذات بالذات كشخص".
وهذه مسألة تستوجب طبعاً شرحاً وفقاً لما لها من وجوه مختلفة. غير أن ما يتبادر إلى الذهن – لكي نتحدّث باختصار – إنّما هو رسم هذا الكنز وصورته، وهو كنز الشباب الذي يقوم على اكتشاف القرارات الشخصية الأولى التي سيكون لها أهميّتها في المستقبل في ما يتعلّق بأبعاد الوجود الشخصّي البشري، وهو كنز يقوم أيضاً على اختيار هذه القرارات واستباقها وتحمّل مسؤوليّتها. ولهذه القرارات في الوقت عينه أهميّة اجتماعية. وكان شاب الإنجيل في هذه الفترة من الحياة، على ما نستنتج من الأسئلة التي طرحها في الحوار مع يسوع. ولهذا فإن كلمات الختام بشأن "ماله الكثير"، أي غناه، يمكن فهمها بحقّ بهذا المعنى وهو: إن الشباب عينه هو الكنز.
وبعد يجب أن نتساءل: هل ينبغي أن يفصل هذا الكنز الذي هو الشاب الإنسان عن المسيح؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ الإنجيليّ لا يؤكّد ذلك. وإذا تفحّصنا النصّ، نستنتج الخلاف. وفي النهاية إن ما أثّر على قراره الابتعاد عن المسيح، الخيور الخارجية فقط، أي "ما كان يملك من مال" وليس ما كان هو. وإنّ ما كان، بوصفه شاباً – أي الكنز الداخلي الكامن في الشباب البشريّ – هو ما قاده إلى يسوع، وما حمله على طرح هذه الأسئلة التي تتعلّق بوضوح كلّي، بمشروع الحياة كلّها. ماذا عليّ أن أعمل؟ ماذا أعمل لأرث حياة الأبد؟ ماذا عليّ أن أعمل ليكون لحياتي قيمتها التامة ومعناها الكامل؟
إنّ شباب كل منكم، أيّها الأصدقاء الأعزّاء، هو كنز يتجلّى في هذه الأسئلة ذاتها التي يطرحها الإنسان على ذاته طوال حياته، لكنّها تبرز في عهد الشباب بروزاً حاداً ملحاً. ومن الخير أن يحدث ذلك، لأنّ هذه الأسئلة تدلّ على ما يحفز تطوّر الشخصية البشريّة من طاقة حيّة، خاصّة بعمركم. وأنّكم لتطرحون أحياناً هذه الأسئلة طرحاً قلقاً، حاداً، وتدركون في الوقت عينه، أنّ الجواب عليها لا يمكن أن يكون سريعاًَ أو سطحياً، بل يجب أن يكون له وزن خاص، ثابت، نهائيّ، لأنّه جواب يتعلّق بالحياة كلّها، ويشمل الوجود البشري كلّه.
وهذه الأسئلة الجوهرية يطرحها رفاقكم على أنفسهم، وعلى الأخصّ الذين من بينهم تميّزت حياتهم بالألم منذ الطفولة: من مثل التشويه الجسديّ، والمرض، والإعاقة أو النقص، أو الحالة العائلية أو الاجتماعية الصعبة. وإذا تطوّر وعيهم تطوّراً سليماً، فإنّ السؤال عن معنى الحياة وقيمتها بالنسبة إليهم يصبح أمراً هاماً جداً وفي الوقت عينه مأسوياً، لأنّه يحمل طابع الألم في الحياة منذ البداية. وكم هناك من مثل هؤلاء الشبّان، من بين الكثرة منهم، في العالم كلّه في مختلف الشعوب والمجتمعات والعائلات ! وكم من الذين يضطّرون، منذ الطفولة، أن يعيشوا في مؤسّسة مختصّة أو في مستشفى، لا يقوون على حركة قد تولّد لديهم شعوراً بأنّ لا فائدة منهم للبشرية.
هل يمكن القول، والحالة هذه، أنّ الشباب بالنسبة إليهم هو كنز داخليّ؟ ومن نسأل هذا السؤال؟ وعلى من يجب أن يطرحوا هم هذا السؤال الهامّ؟ إن المسيح يبدو هنا المحاور الوحيد الصالح الذي لا يمكن أحداً أن يقوم مقامه.

 

الله محبّة
4- ردّ المسيح على محدّثه الشابّ، بحسب الإنجيل، بقوله: "ليس الصالح إلاّ الله الواحد". وقد سمعنا ما سأله ذلك الآخر: "أيها المعلّم الصالح، ماذا أعمل لأرث حياة الأبد؟" ماذا أعمل ليكون لحياتي معنى وقيمة؟ يمكننا ترجمة سؤاله بلغة عصرنا. وفي هذا الإطار، إنّ جواب المسيح يعني: إنّ الله وحده هو الأساس الأخير لكل القيم والخيور. إنه وحده يعطي وجودنا البشريّ معناه الأكيد النهائيّ.
إنّ الله وحده الصالح، معناه أنه هو المصدر الأوّل والخاتمة الأخيرة لكل القيم والخيور: "إنه الألف والياء، البداية والنهاية" (11). وفيه تجد القيم أصالتها وتتوطّد بطريقة أكيدة، ثابتة، نهائية. وبدونه – دون العودة إليه – يبقى عالم القيم والخيور المخلوقة كأنه معلّق في فراغ مطلق. ويفقد أيضاً صفاءه ومعناه. ويبدو الشرّ كأنه خير ويقتلع الخير من مكانه. أفليس هذا ما يثبّته الاختبار في عصرنا، حيثما أقصي الله عن النظر لدى التقدير وإبداء الرأي، والقيام بالعمل؟
ولماذا الله الصالح وحده؟ لأنه محبّة. لقد أعطى السيد المسيح هذا الجواب بكلام الإنجيل، وعلى الأخصّ، شهادة حياته وموته: "لأن الله هكذا أحب العالم، حتى أنه بذل ابنه الوحيد" (12). إنّ الله هو الصالح لأنه في الواقع هو "محبّة" (13).
إن السؤال عن قيمة الحياة، والسؤال عن معناها يتعلّق – على ما قلنا – بكنز الشباب الفريد. وينبغ هذا السؤال من قلب كنز الخيور والهموم المرتبطة بمشروع الحياة الذي يجب تحمّل مسؤوليته وتحقيقه. وإنّ ما هو أعمق من ذلك أن الشباب عندما يصاب بالألم الشخصي ويتعرّف إليه أو يعي وعياً عميقاً آلام الآخرين، وعندما تهتز أحشائه لرؤيته في العالم على اختلاف أنواعه، وأخيراً عندما يواجه سرّ الخطيئة "سر الإثم" (14) البشري، يكون جواب المسيح هو هذا: "ليس الصالح إلاّ الله". إنّ الله وحده محبّة. قد يبدو هذا الجواب صعباً، لكنه في الوقت عينه، جازم، صحيح: فهو يحمل الحلّ النهائي الأكيد. ولكم نصلّي، أيها الشبان الأصدقاء، لكي تسمعوا جواب المسيح هذا سماعاً شخصياً. لكي تجدوا الطريق الداخلية لفهمه، وتقبلوه، وتعملوا على تحقيقه!
هكذا تصرّف المسيح في حديثه مع الشاب. هكذا يتصرّف في الحوار الذي يقيمه مع كل فتى وفتاة من بينكم. عندما تقولون له: "أيها المعلّم..." فهو يسأل: "لماذا تدعوني الصالح؟ ليس الصالح إلاّ الله الواحد". ويالتالي إنّ كوني صالحاً يشهد الله. "من رآني رأى الآب" (15). هكذا يتكلّم المسيح، المعلّم والصديق، المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات: الذي هو دائماً من هو، بالأمس واليوم وإلى الأبد (16).
هذا هو لبّ الجواب، ونقطته الأساسية على الأسئلة التي تطرحونها عليه من خلال كنز الخيور الذي فيكم والمتاصل في شبابكم. وهو يفتح أمامكم آفاقاً مختلفة، ويكل إليكم أمر أخذ القرار بشأن كل حياتكم. وهنا يأتي السؤال عن القيم، والسؤال عن المعنى، والحقيقة، والخير، والشرّ. إن المسيح إذ يجيبكم، يسألكم أن تعودوا بهذا كلّه إلى الله، ويظهر لكم في الوقت عينه أين هو ينبوع هذه الأمور وأساسها، فيكم أنتم: إنّ كلاّ منكم، في الواقع، هو صورة الله ومثاله بالخلق ذاته (17). وهذه الصورة وهذا المثال هما ما يحملكم على طرح هذه الأسئلة التي يجب أن تطرحوها. وهما يظهران كيف أن الإنسان لا يمكنه، من دون الله، أن يفهم ذاته، ولا يمكنه من دون الله أن يحقّق ذاته. لقد جاء السيد المسيح إلى العالم، على الأخصّ، لكي يعي كل منّا هذا الواقع. وبدونه، يغيب بسهولة في الظلام، هذا البعد الأساسيّ عن حقيقة الإنسان. وبعد، لقد "جاء النور إلى العالم" (18)، و"الظلمة لم تدركه" (19).

 

الحواشي:
11) رؤيا 21، 6
12) يو 3، 16
13) 1 يو 4، 8؛ 16
14) راجع 2 تسا 2، 7
15) يو 14، 9
16) راجع عبر 13، 8
17) راجع تك 1، 26
18) يو 3، 19؛ راجع 1، 9
19) يو 1، 5
 

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي