|
رسالة البابا يوحنا بولس الثاني إلى النساء
4- وما عسانا نقول في العراقيل التي ما
زالت في بلدان عديدة تمنع النساء من الإندماج الكامل في الحياة
الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؟ يكفي أن نذكر أن عطية الأمومة هي في
الغالب عرضة للعقوبة أكثر منها للتقدير مع أن البشرية مدينة لها
باستمرار البقاء. لا شك في أنه يبقى علينا أن نفعل الكثير لكيلا تتعرض
حال المرأة والأم لأيّ تمييز. ومن الضروري للغاية بأن نحصل في كل مكان
على المساواة الفعلية في الحقوق الشخصية، وبالتالي على تساوي الأجور
للعمل المتساوي، وحماية الأمهات اللواتي يعملن، والترقية العادلة في
المهنة، وتساوي الزوجين في تدبير العيلة، والاعتراف لهن بكل ما هو
مرتبط بحقوق المواطن وواجباته في نظام ديمقراطي. إن هذا لعدل ولكنه
أيضاً ضرورة. ففي سياسة الغد سيتزايد دائماً تورّط النساء في المشاكل
التي تعالج حالياً: الوقت الحر، نوعيّة الحياة، الهجرات، الخدمات
الاجتماعية، قتل المنازع تخليصاً له من عذابه، المخدرات، الصحة وأعمال
الوقاية، الحفاظ على البيئة، ألخ... في جميع هذه الحقول سيكون لحضور
المرأة الاجتماعي حضوراً فاعلاً دور هامّ، لأنها ستسهم في إبراز
تناقضات مجتمع قائم على قواعد الفعالية والانتاجية تفرض إعادة النظر في
تحديد الأنظمة لصالح عملية الأنسنة التي تطبع "حضارة المحبة".
5- إننا فيما
نمعن النظر في ظاهرة من أدق ظواهر وضع النساء في العالم، لا يمكننا
إلاّ أن نذكّر بتاريخ الإساءَات الطويل المذلّ التي كانت ترتكب –
غالباً في "الدهاليز" – بحق النساء في موضع الحياة الجنسية. ولا يمكننا
عشية الألف الثالث أن نظل لا مبالين بهذه الظاهرة ولا أن نرضى في
النهاية بها. لقد آن لنا أن نشجب بقوة مختلف أشكال العنف الجنسي الذي
تتعرض في الغالب له المرأة، ونحرّك الأدوات الشرعيّة المناسبة للدفاع
عنها. إننا بداعي احترام الشخص البشري لا يسعنا إلاّ أن نندّد بثقافة
واسعة الانتشار دأبها اللذة والمتاجرة تعتمد استغلال الجنس المنظَّم،
وتدفع بالفتيات منذ نعومة أظفارهنّ إلى الوقوع في معاثر الفساد وتحويل
أجسادهنّ إلى سلعة.
فأمام هذه الموبقات، أي تقدير لا تستحقه، بالعكس نساء يدفعهنّ حبهنّ
البطولي لولدهن إلى الاستمرار في حبل ناتج عن علاقات جنسية ظالمة
مفروضة عليهن بالقوة، وذلك ليس فقط في نطاق الفظائع التي تقع ويا للأسف
في سياق الحروب المتواترة في أيامنا، بل أيضاً في أوضاع سعة وسلام
موبوءة بثقافة تبيح اللذة، وحيث تتنامى بسهولة أكثر النزعات إلى
الانحراف العنيف. إن خيار الإجهاض في مثل هذه الحالات، قبل أن يكون
مسؤولية تتحملها النساء، هو جريمة يجب أن يتحملها الرجل والمجتمع
الشريك في الجريمة.
6- إن شكري
للنساء إذن يأخذ طابع الدعوة الملحة للجميع، وبخاصة للدول والمؤسسات
الدولية لكي يقوموا بما يلزم لكي تستعيد النساء حُرمة كرامتهنّ
ودورهنّ. لا يسعني في هذا الصدد إلاّ أن أعرب عن إعجابي بالنساء ذوات
الإرادة الحسنة اللواتي يكرّسنَ أنفسهنّ للدفاع عن كرامة وضع المرأة
باكتساب حقوقها الأساسية في الحقل الاجتماعي والاقتصادي والسياسي،
واللواتي أخذن بكل شجاعة هذه المبادرة في أزمنة كان يعتبر فيها هذا
الالتزام من قبلهنّ فعل مخالفة، وعلامة نقص في الأنوثة، وظاهرة حب
للظهور، بل خطيئة أيضاً!
لدى التأمل بمسيرة تحرير المرأة يمكننا القول بأن هذه الطريق، كانت،
كما سبق فكتبت في الرسالة في مناسبة يوم السلام العالمي هذه السنة
"صعبة ومتشّعبة، ولا تخلو من الأخطاء أحياناً، ولكنها، إيجابية فيما
يتصل بالجوهر، ولو بقيت حتى اليوم غير مكتملة بسبب العراقيل العديدة
التي تحول في مناطق كثيرة من العالم، دون أن يعترف بالمرأة وتحترم
وتقدّر في كرامتها الخاصة" (عد 4).
ويجب الاستمرار بالسعي في هذه الطريق! بيد أنني مقتنع بأن سرّ إنجاز
مسيرة احترام هوية المرأة بسرعة، لا يمرّ فقط عبر التنديد، مهما كان
ضرورياً، بأعمال التمييز الجنسي والمظالم، بل وبخاصة عبر مشروع تنمية،
فعال بقدر ما هو واعٍ، يتناول شتّى مرافق الحياة النسائية، انطلاقاً من
وعي كرامة المرأة وعياً متجدداً وشاملاً. فالعقل ذاته، الذي يقبل شريعة
الله المكتوبة في قلب كل إنسان، يحملنا على الاعتراف بهذه الكرامة رغم
كل ما طرأ عليها من تكييف عبر التاريخ بيد أن كلمة الله خاصة هي التي
تمكننا من أن نتبيّن بوضوح في أي أساس تتجذر من الوجهة الإنسانية كرامة
المرأة، إذ يبرز لنا في قصد الله في البشرية.
|