أعداد الرسالة:
 1 / 2 / 3 / 4 / 5 / 6 / 7 / 8 / 9 / 10 /
 11 / 12 / 13 / 14 / 15 / 16 / 17 / 18 / 19 / 20 /
 21 / 22 / 23 / 24 / 25 / 26 / 27 / 28 / 29 / 30 /
 31 / 32 / 33 / 34 / 35 / 36 / 37 / 38 / 39 / 40 /
 41 / 42
 

 

 .4   لكن هَلْ هذه هي الحقيقة؟ هَلْ حطّمتْ المسيحية حقاً الـeros ًً؟ لنلقي نظرة على العالم ما قبل المسيحيّة. اليونانيون ـ مثل الثقافات الأخرى ـ قد إعتبروا الـ  erosقبل كل شيء نوعاً مِنْ السكر، بهِ تُقَهْر العقلانية مِن قِبل "جنونٍ إلهيّ"، يخطف الإنسانَ بعيداً عن وجودِه المحدودِ وبهذه القوة الإلهية التي تقتحم حياته يتمكن من اختبار سعادة لا متناهية. كُلّ السُلُطات الأخرى في السماء وعلى الأرضِ تَبْدو إذاً ثانوية. يَقُولُ فيرجليوس في Bucolics "الحب ينتصر على كل شيء" ومن ثم يضيف: "دعنا نحن أيضاً نستسلم للحب" [2]. في الأديانِ، وَجدَ هذا الموقفِ تعبيراً لهُ في طقوس الخصوبةِ، التي شكّلت الدعارةَ "المقدّسةَ" جزءاً منها تلك التي إزدهرتْ في العديد مِنْ المعابدِ .هكذا إحتُفِلَ بالـ  erosكقوَّة إلهية، كتواصل مع العالم الإلهي.

 

   عارضَ العهد القديمُ بِحزم هذا الشكل من التديُّن، الذي كان يُمثّلُ إغراءً قويّاً ضدّ الإيمانِ التوحيديِ، وحاربه كظاهرة تدهور في الدين. لَكنَّه بذلك لم يرفض أبداً eros الـ في حد ذاته؛ بل بالأحرى، قد أعلنَ الحرب على الجانب المشوّه والتدميريّ منه، لأن هذا التأليه المُزيَّف للـ eros  يُعرّيه في الحقيقة من كرامتِه ويلغي منهُ معناه الإنساني. في الواقع إن المومسات في المعبدِ، اللواتي كان عليهنّ أن يمنحوا نشوة الإلوهة، لَمْ يكن يُعتبًرْن بشراً وأشخاصاً، بل كن يُستعملن كوسائل إثارة لإختبار "الجنون الإلهي": في الواقع هن لم يكنَّ إلاهات، بل أشخاصاً إنسانيينَ مُستغَلّين.اللاواعي و eros لهذا فإن الـ غير منضبط، لا يُعتبر إعتلاءاً في "النشوةِ" نحو الألوهة، بل سقوطاًو إهانة للإنسان. ومن ثمّ فإنه من الواضح بأن الـ eros يحتاج بالضَّرُورة لأَنْ يخضع للتأديب والتنقية فلا يكون مجرَّد خبرة لذةٍ عابرة، بل تذوق مُسبق لذروةِ الوجود، لتلك السعادةِ التي يشتَاقُ لها كل كياننا.

 

ــــــــــ

[2] X, 69.

 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي