أطلب نسخة للطباعة - عودة إلى وثائق المجمع

      

الدرجة الكهنوتية - Presbyterorum Ordinis

قرار في "حياة الكهنة وخدمتهم الراعوية"

 

من الأسقف بولس، خادم خدّام الله، مع آباء المجمع المقدس، للذكرى الخالدة.

 

المقدمة

1- أعاد المجمع المقدس أكثر من مرة إلى أذهان الجميع، أهمية الدرجة الكهنوتية في الكنيسة *. ولما كان لهذه الدرجة في تجديد كنيسة المسيح دور ذو شأن، تزداد صعوبته مع الأيام، فقد بدا مفيداً جداً أن يُبحث في الكهنة بصورة أعمّ وأعمق. وما يُقال في هذا القرار يُطبق على جميع الكهنة، وخاصة على الذين يتفرغون لخدمة النفوس. أما فيما يتعلق بالكهنة الرهبان فيُطبق عليهم القرار حسب المقتضى. أجل، لقد جُعل الكهنة برسامتهم المقدسة ورسالتهم التي تسلموها من الأساقفة خُداماً للمسيح المعلم والكاهن والملك. فإنهم يشتركون في مهمته التي تبني صرح الكنيسة باستمرار، وتجعلها شعب الله وجسد المسيح وهيكل الروح القدس على هذه الأرض. ولما كانت أوضاعهم الراعوية والإنسانية تستلزم مساندة فعالة أوفر وعناية ً أفضل، نظراً إلى التقلبات التي تعترض حياتهم، يُعلن المجمع المقدس ويقرر ما يلي:

 

الفصل الأول: الكهنوت في رسالة الكنيسة

جوهر الكهنوت

2- إن السيد المسيح "الذي قدسه الآب وأرسله إلى العالم" (يو 10 / 36) أشرك جسده السري كله في مسحة الروح التي مُسح بها (1). فيه يُصبح المؤمنون جميعهم كهنوتاً مقدساً وملوكياً، يقدمون الذبائح الروحية لله بيسوع المسيح، ويخبرون بعظائم ذاك الذي دعاهم من الظلمة إلى نوره العجيب (2). فليس من عضو إلا وله دور في رسالة الجسد كله، إنما على كل واحد أن يقدس يسوع في قلبه (3) ويشهد للمسيح بروح النبوّة (4). ولكي يجمع المؤمنين في جسد واحد "ليست فيه لجميع الأعضاء الوظيفة ذاتها"، (رومية 12  /  4) أقام السيد نفسه فيهم خداماً يتمتعون في جماعة المؤمنين بسلطات الكهنوت المقدس، لاقامة الذبيحة ولغفران الخطايا (5)، وليمارسوا علناً باسم المسيح واجبهم الكهنوتي في خدمة البشر. وكما أرسله الأب، أرسل المسيح رسله (6) وأشرك بواسطتهم خلفائهم الأساقفة (7) في مسحته ورسالته، وسُلمت أيضاً إلى الكهنة مسؤولية مهمة الأساقفة بصورة تربطهم دوماً بهم (8)، لكي يصيروا في الدرجة الكهنوتية التي أقيموا فيها معاوني (9) الدرجة الأسقفية، لتتميم الرسالة الرسولية التي أئتمنهم عليها المسيح. فوظيفة الكهنة، بما أنها متحدة بالدرجة الأسقفية، تشترك في السلطة التي بها يبني المسيح نفسه جسده ويقدسه ويدبره. ولهذا وإن كان كهنوت الكهنة يرتكز على أسرار التدريب المسيحي، إلا أنه يمنح بواسطة ذلك السر الذي به يوسم الكهنة وسماً مميزاً، إذ يمسحهم الروح القدس فيُشبههم بالمسيح الكاهن ليستطيعوا القيام بأعمالهم باسم المسيح رأس الجسد بالذات (10). وبما أنهم يشتركون في مهمة الرسل على صعيدهم الكهنوتي، يعطيهم الله النعمة كي يكونوا خدام المسيح يسوع في الأمم: يؤدون رسالة الإنجيل المقدس، فتصير ذبيحة الأمم مقبولة مقدسة في الروح القدس. فبشارة الإنجيل الرسولية يُدعى شعب الله ويُجمع، حتى يقدم كل أعضاء هذا الشعب أنفسهم، وقد قدسهم الروح القدس (11)، "ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله" (روم 12  /  1). إنما بخدمة الكهنة تكتمل ذبيحة المؤمنين الروحية بإتحادها بذبيحة المسيح، الوسيط الوحيد، تلك التي يقدمونها باسم الكنيسة جمعاء في الإفخارستيا بصورة سرية وغير دموية إلى أن يعود الرب نفسه (12). ففي هذا غاية الخدمة التي تبدأ بالبشارة الإنجيلية تستمد قوتها وفاعليتها من ذبيحة المسيح، وتهدف إلى "كمال المدينة المُخلَّصة أي جماعة القديسين وتضامنهم، فتُقدم الذبيحة المطلقة الشاملة لله بواسطة الكاهن الأعظم الذي قدم نفسه فداءً عنا في آلامه كي نصير جسد ذلك الرأس العظيم (13)". فالغاية التي يهدف إليها الكهنة إذاً في حياتهم وخدمتهم الراعوية، هي مجد الله الآب في المسيح. وهذا المجد يقوم على أن البشر يتقبلون عمل الله المتمم في المسيح، بوعي وحرية وشكر، فيتلألأ في حياتهم كلها. فالكهنة، إذ يسهمون في إنماء مجد الله بصلواتهم وعبادتهم، وبتبشيرهم وتقديم ذبيحة الأفخارستيا، وبمنح سائر الأسرار والقيام بما تبقى من الخدمات في سبيل الناس، يحملون البشر على التقدم في الحياة الإلهية. كل ذلك - إذ ينبع من فصح المسيح - يكتمل في مجيء السيد نفسه بمجده، عندما "يسلم الملك لله الآب" (14).

وضع الكهنة في العالم

3- لقد أُخذ الكهنة من الناس وأقيموا لأجل الناس في ما هو لله، ليقربوا تقادم وذبائح عن الخطايا (15)، ويعيشوا مع سائر البشر كإخوةٍ لهم. هكذا كان من أمر الرب يسوع، ابن الله، أنَّ الآب بعث به إلى الناس، فأقام معنا وأراد أن يشابه أخوته بكل شيء ما عدا الخطيئة (16). ولقد اقتدى به الرسل القديسون وشهد الطوباوي بولس معلم الأمم "لمنتقى لإنجيل الله” (روم 1  /  1) بأنه صار "كلاً للكل ليخلص الكل" (17). فكهنة العهد الجديد يُفرزون بنوعٍ ما، بدعوتهم ورسامتهم، من شعب الله، لا ليفصلوا عنه أو عن أي فرد من أفراده، ولكن ليُكرسوا بكليتهم للعمل الذي من أجله إختارهم الرب (18). فلن يستطيعوا أن يكونوا خدام المسيح ما لم يكونوا شهوداً ووكلاء لحياة أخرى غير هذه الفانية. ولكنهم لن يستطيعوا أن يخدموا الناس إذا ظلوا غرباء عن حياتهم وظروفها (19). فالخدمة عينها التي يقومون بها تقتضي بصورةٍ خاصةٍ ألا يتشبهوا بهذا الدهر (20). وتضطرهم في الوقت نفسه أن يعيشوا في هذا العالم مع الناس، وأن يَعرفوا كرعاةٍ صالحين خرافهم، وأن يعملوا الجهد ليجذبوا إلى هذه الحظيرة مَن ليس منها، ليسمعوا صوت المسيح وتصير حظيرة واحدة وراع واحد (21). ولكي يبلغوا الهدف المنشود، لا بد لهم من التحلي في معاملاتهم البشرية بالفضائل التي يقدرها الناس حق التقدير، منها العطف، والإستقامة، والشجاعة، والثبات، والمواظبة المتواصلة على العدل واللطف وغيرها مما يوصي به بولس الرسول في قوله: "مهما يكن من حق أو عفاف أو عدل أو طهارة أو صفة محببة أو حسن صيت، ان تكن فضيلة أو مديح، ففي هذه فلتكن أفكاركم" (فيلبي 4  /  8) (22).

ــــــــــــــــ

المقدمة:

*) المجمع الفاتيكاني الثاني، دستور عقائدي في الطقسيات، 4 ك1 1963: راجع أعمال الكرسي الرسولي 56 (1964) ص 97 وما يتبع؛ دستور عقائدي في الكنيسة 21 ت2 1964: راجع أعمال الكرسي الرسولي 57 (1965) ص 5 وما يتبع؛ قرار في خدمة الأساقفة الراعوية 28 ت1 1965 أعمال الكرسي الرسولي 58 (1966) صفحة 673؛ قرار في التنشئة الكهنوتية 28 ت1 1965 . أعمال الكرسي الرسولي 58( 1966) صفحة 713.


الفصل الأول:


1) راجع متى 3  /  16؛ لوقا 4  /  18؛ أعمال الرسل 4  /  27؛ 10  /  38

2) راجع 1بطرس 2 / 5، 9

3) راجع 1بطرس 3 / 15

4) راجع رؤيا يوحنا 19 / 10؛ المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي عن الكنيسة، 21 ت2 1964، عدد 35؛ راجع أعمال الكرسي الرسولي 57(1965) ص 40- 41

5) المجمع التريدنتيني، الجلسة الثالثة والعشرون، الفصل 1 والمادة 1: دنتسنغر  957 و 961 (1764، 1771)

6) راجع يوحنا 20 / 21؛ المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي عن الكنيسة 21 ت2 1964، عدد 18: راجع أعمال الكرسي الرسولي 57(1965) ص 21- 22

7) راجع المجمع الفاتيكاني الثاني، المرجع عينه، عدد 28: أعمال الكرسي الرسولي 35(1965) ص 33- 36

8) المرجع عينه

9) راجع "الشرطونية الرومانية" في رسامة الكاهن، المقدمة. نجد هذه الكلمات في كتاب الأسرار لأبرشية فيرونا (طبعة ل.ش. مهلبرج، روما 1956 ص 122)؛ وأيضاً في كتاب قداس الفرنج ( طبعة ل. ش.مهلبرج، روما 1957 ص 9)؛ وأيضاً في كتاب الأسرار للكنيسة الرومانية (طبعة ل.ش. مهلبرج، روما 1960 ص 25)؛ وأيضاً في كتاب الرسامات الروماني- الألماني (طبعة فوجل – الزي مدينة الفاتيكان 1963، المجلد 1، ص 340)

10) راجع المجمع الفاتيكاني الثاني في دستوره العقائدي عن الكنيسة 21 ت2 1964، عدد 10: أعمال الكرسي الرسولي 57(1965) ص 14- 15

11) راجع رسالة بولس الى أهل رومية 15 / 16 في النص اليوناني.

12) راجع 1كور 11 / 26

13) القديس أغسطينوس: مدينة الله 10 / 6 : آباء الكنيسة اللاتينية 41 / 284

14) راجع 1كور 15 / 24

15) راجع عبرانيين 5 / 1

16) راجع عبرانيين 2 / 17؛ 4 / 15

17) راجع 1كور 9 / 19- 23 في النص الشائع (فولغاتا).

18) راجع أعمال الرسل 13 / 2

19) "إن غيرة على الكمال الديني والأخلاقي من هذا النوع تستمر وتتزايد أيضاً يوماً بعد يوم بواسطة الظروف الخارجية التي تعيش فيها الكنيسة التي لا تستطيع أن تبقى مكتوفة الايدي إزاء تطورات الأمور البشرية أو عديمة الأهتمام بها. فإن تلك التطورات المحيطة بها تؤثر تأثيراً بعيد المدى في طرق عملها وتفرض عليها شكل ذلك العمل وشروطه. ومن الواضح أن الكنيسة لا تنفصل عن الجماعة البشرية ولكنها تعيش فيها. وإن أعضاءها يتأثرون بالعالم، ويتنشقون ثقافته، ويرضون بقوانينه ويلتزمون بأخلاقه. ولصلة الكنيسة بهذا المجمع البشري صعوبات تنجم تواً وهي اليوم في غاية الخطورة...(...) كان رسول الأمم يعظ مسيحيي عصره بهذه الكلمات: "لا تكونوا شركاء الكفرة في نير واحد. فإنه أية شراكة بين البر والأثم وأية مخالطة بين النور والظلمة ... وأي حظ للمؤمن مع الكافر" (2 كور 6 / 14- 15). ولهذا فعلى المربين والمعلمين في كنيسة اليوم أن ينبهوا الشبيبة الكاثوليكية الى عظمة الحياة والواجب الذي ينبع منها في أن يعيش الشبان في هذا العالم لا حسب شعور هذا العالم ولكن حسب صلاة المسيح التي قالها من أجل تلاميذه: "لست أسأل أن ترفعهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير. إنهم ليسوا من العالم كما أني لست من العالم" (يو17 / 15- 16). والكنيسة تشترك في هذه الصلاة. وعلى كل فإن هذا الفرق لا يعني تفرقة ولا يدل على إهمال ولا على خوف ولا على إزدراء. فالكنيسة عندما تتميز عن البشرية لا تقف حاجزاً أمامها ولكنها تشترك معها (بولس السادس في رسالة "كنيسة المسيح" 6 آب 1964 عدد 44، 64، 65: راجع أعمال الكرسي الرسولي 56(1964) ص 627، 638).

20) راجع رومية 12 / 2

21) راجع يوحنا 10 / 14- 16

22) راجع القديس بولكاربوس في رسالته الى أهل فيلبي 6 / 1: "فليمِل الكهنة الى الرأفة وليكونوا رحومين نحو الكل، مصلحين الأضاليل، زائرين كل المرضى، غير مهملين الأرامل واليتامى والفقراء؛ ولكن فليهتموا دائماً بالخير أمام الله والناس، بعيدين عن كل غضب وعن كل تفضل بين الأشخاص وعن الحكم الظالم، بعيدين أيضاً عن كل بخل، غير مسرعين للتصديق في ما يقال ضد أحد، غير قساوة في الحكم، عالمين أن الكل ليسوا مدينين للخطيئة" (طبعة ف.ك. فونك: الآباء الرسوليون 1 ص 273).

 


مقدمة القرار
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي