بيان في الحرية الدينية                                                                     Dignitatis Humanæ

حرية الهيئات الدينية

4243 -4- الحرية أو العِصمة من الإكراه في الشأن الديني التي تعود إلى الأفراد، يجب أن يتمتّعوا بها أيضاً عندما يعملون مجتمعين، فالجماعات الدينية تقتضيها الطبيعة الإجتماعية في الإنسان وفي الدين نفسه.

وما دامت هذه الجماعات لا تخرج عن فرائض النظام العام العادلة، فهي تملك حقَّ التمتّع بالحصانة، حتى تسيِّر  أمرها في خطّ أنظمتها الخاصة، وتؤدّي إلى الإله الأسمى شعائر العبادة العلنية، وتساعد أعضاءها على ممارسة الحياة الدينية، وتغذّيهم بتعليمها، وتنشِّط مؤسّساتهم التي يتعاون فيها الأعضاء على توجيه حياتهم الخاصة وفاقاً لمبادئهم الدينية.

وللجماعاتِ الدينية كذلك الحقُّ في أن لا تُقيّدها الأحكام التشريعيةُ، ولا عملُ السُلطةِ المدنية الإداري، في اختيار مسؤوليها، وتنشِئتهم، وتَعيينهم ونَقلهم، وفي أن تُقيمَ علاقاتٍ مع السلطاتِ الدينية المقيمة في أقطارٍ أخرى من الأرض، وفي أن تُشيد المباني الدينية، وأن تقتني ما هي بحاجةٍ إليه من الخير وتديرَه وتستثمِره. وللجماعاتِ الدينية أيضاً الحقُّ في أن لا تُمنَع عن تعليم عقيدتها وإبرازها للملأ بالكلام والكتاب. إلا أنه يُحظَرُ دائماً في نشرِ الإيمان وفي إدخالِ المُمارسات الدينية أن يُعمَدَ إلى أيّ نوعٍ من الأعمال التي يُستشفُّ فيها الاكراهُ، أو الإقناعُ التمويهي أو الذي لا يَخلو من مُراوغةٍ، ولا سيَّما إذا كان موجّها إلى أُمّيّين أو إلى مُعوَزين. فتلك الطريقةُ يجبُ أن تُعدّ إساءَةَ استعمالٍ لِحقِّ من يستعملُها وإساءَةً إلى حق الآخرين.

ومن مقتضيات الحرية الدينية أن لا تُمنَعَ الجماعات الدينية من عملٍ حرّ يُبرزُ ما في عقيدتها من فاعليةٍ فريدةٍ لتنظيمِ المُجتمع وإنعاشِ النشاط الإنسانيّ كله. وإنَّ لَفي طبيعةِ الإنسان الإجتماعية، وفي طبيعة الدّين أخيراً، أساسَ حقّ البَشر في أن يتمكّنوا، إذا حرَّكَتْهم الروح الدينية، من عقدِ ما شاءوا من الإجتماعات، أو إنشاءِ الجمعياتِ التربوية والثقافية والخيرية والإجتماعية.

الأسرة والحرية الدينية

-5- يحق لكل أسرة، كمجتمع يتمتّع بحقٍّ ذاتيٍّ وأساسيٍّ، أن تنظِّمَ حياتها الدينية الأسرية بإشرافِ الوالدَين، وإليهم يرجع وفقاً لإيمانهم الديني والشخصيّ، تقرير المنهج التربويّ الدينيّ لأولادهم. لذا يجبُ على السلُطات المدنيّة أن تعرفَ لهم الحق في إختيارِ المدارس ووسائل التربة المختلفةِ بحرِّيَّةٍ حقيقيّةٍ كما ينبغي ألا تكونَ هذه الحريّةُ مصدرَ عبءٍ ظالم يُفرَضُ عليهم بطرقٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة.

ويُعدُّ اغتصاباً لهذا الحقّ إرغام الأبناء على تلقّي دروس لا تتفق مع معتقدهم الدينيّ، وإكراههم على نوع واحد من التربية يهدف إلى إقصاء التنشئة الدينية.

المسؤولية تجاه الحرية الدينية

-6- إنَّ الخير العام للمجتمع هو توافر المناخ ليُصبحَ دافعاً للإنسانِ في حياتهِ الإجتماعية، حتى يصلَ إلى كماله الذاتي بأسهل وأكمل وسيلة، وهذا يتحقََّق في المقام الأول بحمايةِ حقوق الشخصِ الإنسانيّ وواجباتهِ. والسهرُ على حقّ الحريّة الدينية وحمايتِهِ يقع على عاتق المواطنين والجماعات والسُلُطات المدنيّة والكنسيّة وعلى باقي التجمّعات الدينية ولكلّ واحدٍ منهجهُ الذي يناسبهُ في أداء واجباتهِ نحو الخير العام.

والواجب الأساسيّ للسلطات المدنية هو صيانة وحفظ حقوق الإنسان التي لا يجوزُ المساس بها (5)، وتحمّل بجدّية مسئولية حماية الحريّة الدينية لجميع المواطنين، ضماناً لنموّ حياتهم الدينية ذاتها وذلك بما تسنّه من قوانين عادلة أو بما تتّخذه من وسائل أخرى قويّة بحيث يستطيع المواطنون ممارسةَ حقّهم الديني وتأديةَ واجبهم في ذلك فعلاً، لكي يستمتع المجتمعُ بثمار العدل والسلام النابعين من وفاءِ الإنسان لله ومشيئتهِ المقدسة (6).

وإذا ارتبط النظام المدنيّ، تبعاً لظروفٍ خاصّة عند بعضِ الشعوب، بطائفةٍ دينيةٍ معيّنة، فإنه لمن الضروري أن يعرف هذا النظام حقوق باقي الطوائف والمواطنين في ممارسة دينهم دون تمييز. أخيراً يجب على السُلُطات المدنيّة أن تسهرَ على ألا تمسَّ المساواةُ الشرعيّة وهي من صميمِ خير المجتمع العام، بين كل المواطنين تجاه القانون، ومن ثَمَّ لا يجوزُ للسُلُطات العامة أن تفرضَ على المواطنين اعتناقَ أيّ مذهبٍ دينيّ أو نبذَ دينهم تحتَ تهديدِ القوّة في أيّة صورةٍ أو بوسائلَ أخرى أو أن تمنع أي فردٍ من الإنضمامِ إلى أيّةِ جماعةٍ دينية أو الخروج منها.

ومن الواضحِ أنه لا يجوزُ استخدامُ العنفِ في أي شكلٍ لهدمِ الدينِ أو وضع العوائقِ لإنتشاره في أنحاء العالم أو في منطقةٍ ما أو بينَ جماعةٍ، فكلُّ هذه التصرفات تخالف إرادة الله وتهدر الحقوق المقدسة للشخص الإنساني وللأسرة وللشعوب. 

حدود الحرية الدينية

-7- يُمارَس حقّ الحرية الدينية في نطاق المجتمع الإنساني، ولا بُدَّ من قواعد تنظِّم هذه الممارسة. فممارسة أيّة حريّة ينبغي أن تتضمَّن مبدأ المسؤولية تجاه الفرد والمجتمع، وهذا المبدأ الأخلاقي يُلزِم كل إنسان أو هيئة إجتماعية مراعاة حقوق الغير والواجبات نحو الآخرين والخير العام.

يجب أن تسود روح العدالة الإنسانية. كذلك للمجتمع المدنيّ حقٌّ في أن يحمي نفسه مما قد يصدُرُ نتيجة سوءِ ممارسةٍ ما تحتَ ستارِ الحريّة الدينية، فلِلسُلُطاتُ المدنية أن تضمنَ هذه الحماية لكن بغير استبدادٍ أو محاباةِ فريقٍ على حساب فريقٍ آخر، وإنّما وفقاً للقوانين الشرعيّة التي تطابق النظام الأدبي الموضوعي والتي توفّر الحماية الفعّالة لحقوق المواطنين جميعاً، وترابطهم السلميّ، مع الحرص التام على استتباب الأمن الحقيقي وسيادة العدالة الحقيقة، لصيانةِ الأخلاق العامة، وكل ذلك جوهريٌّ للخير المشتَرَك في المجتمع ومن قواعد النظام العام.

والقاعدة العامة للحريّة الكاملة في المجتمع تقضي بأن يعترف بأقصى قدر ممكن من حريّة الإنسان التي لا تقيَّد إلا عند الضرورة وبالقدر الضروري.

الإعداد لممارسة الحرية

-8- يتعرَّضُ الإنسانُ في أيّامنا لمختلَفِ أنواعِ الضغطِ ولخطَرِ حرمانِهِ من ممارسةِ حريَّةِ الرأي الشخصية. كما أن هناك عدداً ليسَ بقليلٍ ممن يرفضونَ، بحجّةِ الحريّة، كلَّ خضوعٍ ولا يقيمون إلا وزناً ضئيلاً للطاعة الواجبة.

ولذا يتوجّهُ هذا المجمع إلى الجميعِ وبنوعٍ خاص إلى مَن يحملونَ مسؤولية تربية الآخرين، ويحثّهم على إعدادِ الرجال الذين – في احترامهم للنظام الأدبيّ، يُقدِّرونَ الطاعة للسلطةِ الشرعيّةِ ويَحرصونَ على الحريَّةِ الأصيلة، رجال يُقدِّرون – من خلال نور الحقيقة – الأمور بأنفسهم ويسلكون بروح المسؤولية الكامن فيهم ويسعون إلى كل ما هو حقٌّ وعدل – ويتعاونون برغبةٍ منهم مع الآخرين. فمِن ثِمارِ الحريّةِ الدينية ومن أهدافها إذاً أن تكونَ عوناً للناسِ ليَعملوا، في إحساسٍ أعظم بالمسؤولية، على أداءِ واجباتهم في خضمِّ الحياة الإجتماعية.

ــــــــــــــ

5- راجع يوحنا الثالث والعشرين، رسالة عامة: "السلام على الأرض"، 11 نيسان 1963 أعمال الكرسي الرسولي 55 (1963)، ص 273. بيوس الثاني عشر، رسالة إذاعية في 1 حزيران 1941: أعمال الكرسي الرسولي 33 (1941)، ص 200.

6- راجع لاون الثالث عشر، رسالة عامة: "أمور الله الخالدة". 1 تشرين الثاني 1885: أعمال الكرسي الرسولي 18 (1885)، ص 161.

ــــــــــــــ
ملاحظة: الأرقام الواردة هي تلك المستعملة في كتاب "دنتسنغر ـ هونرمان". الكتاب متوفر باللغة العربية في جزئين تحت عنوان: الكنيسة الكاثوليكية في وثائقها، رقم 27 و28 من سلسلة "الفكر المسيحي بين الأمس واليوم"، منشورات المكتبة البولسية، عام 2001.
 


العدد السابق
 

الصفحة الرئيسية

العدد التالي